فى مدينة العـقاد ( 785 ) عقائد المفكرين فى القرن العشرين (13)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

 

عقائد الأدباء

     في مقدمة الأدباء العامليين الممثلين لزمانهم في القرن العشرين « برنارد شو » ـ الكاتب الأيرلندي العالمى ، والذى وضع الأستاذ العقاد كتابًا عنه سبق أن تناولناه .

      وفحوى المراد هنا ، أن  برنارد شو من  واقع تجاربه ومطالعاته ـ خرج بمذهبه عن « القوة الحيوية » ، وهى تحل فى مذهبه محل الإله في الأديان .

    على أنه لا يؤمن بالمادة المطلقة ، ولا بأن الوجود كله « مادة » مسيطرة على الفكر والحياة   ، وإنما يؤمن بهذه القوة « غير المادية » التى يسميها القوة الحيوية ، وارتقاؤها يأتى عن طريق التجربة والخطأ والتصحيح والتكرار والمثابرة ، وعلى نحو ما تناولناه سلفًا .

*           *           *

     وبين نوابغ الكتاب الإنجليز في العصر الحاضر ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ  « الدوس هكسلى » صاحب المشاركات المعروفة فى الشعر والقصة والفلسفة ، وهو صاحب نزعة صوفية واضحة فى جميع كتبه ، وديانته هى الصوفية عامة فى غير عقيدة محددة يجمعها مسلك عملى فى الحياة .

    ومن كتاب القصة العالمين ، الأديب النمساوى « فرانز ويرفل ـ Werfel » ( ١٨٩٠١٩٤٥ (صاحب أغنية برناديت ، ورواية الأيام الأربعين ، وكتاب بين السماء والأرض .

    وفي هذا الكتاب الأخير خلاصة فلسفته الدينية والخلقية ، وهى لا تخلو من بقايا الصوفية القديمة الإسرائيلية .

     ومما يقوله فى كتابه « ما بين السماء والأرض » ـ إن تفسير الكون بالقياس والتعقيب هو أنجح أحابيل الشيطان ، وأن الشيطان قد نجح فى تزويغ الأصول الأولى من المسألة كلها وهى أصول الخلق والكينونة ووجود الله ، وأن الروحانية إنما تتحقق بالإلحاح كل الإلحاح على المسار من جانبها هذا.

    إن الإنسان هو لغة قصيرة بين العالم العلوى والعالم السفلى  ، ولا يفلح فى شىء فلاحه في توليد الشرارة التى تنقدح من هذا الالتقاء بين العالمين ، وهى شرارة الفكر التى تصهر جميع الأخلاط.

    وقال : « إن الله هو الزمن كله : هو الأبدية » .

    ومن هنا تتمثل الشيطانية في تمزيق الزمن .

    ويضيف الأستاذ العقاد أنه وقد لوحظ أن عقائد الأدباء فى ذاتها موضوع دراسة ، فإنه من المفيد أن نستخرج من أقوال « ويرفل » دلالتها على مصادر الاعتقاد في طائفة من الملل والمذاهب.

    وبعد أن مضى فى تعقب ما تواتر بشأن العقيدة عند الإسرائيلى ، قفَّى بأنه  مهما يستكثر المؤرخ من أمثلة العقائد التى يدين بها المفكرون الإسرائيليون فى العصر الحديث ، فلن يجد فى كل مائة مثال إلاَّ مثلا أو مثلين يشذان عن هذه القاعدة .

     على أن هذا الشذوذ النادر عن القاعدة ، تمثل فى أديب واحد أوشك أن يحلق وحده فى سماء الأدب الصوفى بين قومه ، هو« موريس مترلنك ـ « Maeterlinek ـ الشاعر
البلجيكى الإسرائيلي الذيى
لقبوه بالحبر . وقد أنفق هذا الشاعر حياته باحثًا عن أسرار الطبيعة وأسرار ما بعد الطبيعة ودرس كثيرًا فى هذا الباب ، وظل مؤمنًا بعالم الأسرار الملموسة فى كل مكان بين ظواهر المادة والحياة، ومن مؤلفاته كتاب عن « السر الأعظم » و كتاب عن «أبديتناـ « Our Eternity  وكتاب عن موقفنـا أمــام الصمــت العظيــم وهـو يقـول فـي كتـاب « أبديتنا » ــــ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ  إن المجهول سيظل مجهولا مهما بلغ نصيبنا من الفطنة والذكاء ، وإن هذا المجهول هو أهم وأنبل ما تحتويه بصيرة الإنسان ، وإن البصيرة الإنسانية تكبر بمقدار ما تتسع أمامها حدود ذلك المجهول ، وتصغر بمقدار ما تصغره أو تعرض عنه وتعيش معه وكأنه غير موجود .

*          *         *

      وينتقل الأستاذ العقاد من هذا الشاعر الروائى « الحبر » ـ إلى كاتب روائى عاش زمنًا بين أسرار الشرق ، ثم قنع بأن يعيش فى عالم معطل الأسرار . ذلك هو « إدوار مورجان فوستر »  ـ مؤلف كتاب « مجاز إلى الهند » ـ وقد لخص عقيدته فى مجموعة مقالات قال فى أولاها إنه لا يعتقد فى الاعتقاد ، وإنه ضعيف الثقة بالأبطال الذين يتخذهم البعض بديلاً عن العقائد المتداعية ، ومرجع ضعف ثقته أنهم يمسحون ما حولهم ، وينكسون جميع الرؤوس إلى جانبهم ، ويحيطون أنفسهم أحيانًا ببحر من الدماء ، ويُرْجى أن يظهر نابغة مخلص مرموق من الغيب ، ليرتب ما فيه الخلق الصالح ، ويحسن توزيعه ليغلق على العنف صندوقه ويفسح الوقت لكشف أسرار الكون وطبعه ـ منه ـ بطابع كريم ، ولكنه ضعيف الرجاء فى تحقيق هذه« النبوة » بالوسائل الدينية ، وأنه إلى أن يفلح علماء النفس وعلماء الحياة فى خلق لحام أو لاصق جديد يربط بين الناس ، فإنه سوف يظل كل إنسان ـــ فردًا راضيًا بما قُسِمَ له ، قانعًا بصفوة ما يتأتى له من مؤنة قليلة الصفاء .

      ويضيف الأستاذ العقاد :

      « وأحدث المجاميع التى عنى واضعوها بنقل كلام الأدباء والمفكرين عن عقائدهم كتاب (ما أعتقد) لواضعه السير جيمس مارشانت Marchant وفيه فصل مسهب كتبه الأديب الشاعر المؤرخ للأدب والنقد ألفرد نويس Alfred Noyes وهو من المؤمنين بعد دراسة وإطلاع على الفلسفة ، وقد استخف فيه بالدراسات التى تقف عند حد التأمل والاستطلاع فى مسائل العقيدة وقال إن العالم لن يحل مشكلاته بالوقوف عند هذه الدراسات ، وإن مشكلات العالم ناجمة من عجزه عن إشباع روحه لا من عجزه عن إشباع جوفه ، وسخر من قول القائلين إن الله قد نشأ فى عقل الإنسان ، فعقب عليه قائلاً : وأين نشأ زعم الزاعمين أن الكون مكنة كبيرة ؟ ألم ينشأ فى عقل الإنسان ؟ ثم استشهد بقول لوتز Lotze إن المكنات حولنا فى كل مكان ولكنها فى كل مكان مسخرة تابعة ، فلم تشاهد قط مكنة إلاّ كان وراءها عقل يديرها ويسخرها ، وهذا الذى ينساه الماديون الآليون الذين يزعمون أن عمل الطبيعة فى أنظمتها وقوانينها شبيه بعمل الآلات » .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *