فى مدينة العـقاد ( 784 ) عقائد المفكرين فى القرن العشرين (12)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

تابع عقائد العلماء

      يقول الدكتور « جوردون » فى كتابه « The philosophy of a Sciantist » يقول فى فصل فيه بعنوان « على الإنسان أن يوجد ديانته » إنه إذا تم للإنسان هذا ـ تمت له إطاعة أعظم الأوامر الإلهية ، وهى : أحبب إلهك . لأنه سيحب إذن تلك الغنيمة العليا أو الصفة العليا التى هى المعبود ، وذاك أساس كل دين .

      والمعبود كائن نوجده ونخدمه ونحبه بأرفع معانى الخدمة والحب ، وقوة الحب الصحيح هى التى تنظم أو تجند كل طاقات الشخصية الإنسانية إلى وجهة أعلى وأرفع .. وجهة أفضل من أنفسنا نستطيع أن نستقبلها بالإجلال الحق ونسعى إليها فى شوق لا يهدأ .

      ويضيف أنه يلاحظ حين ترتقى هذا المرتقى ، لا نظل مشغولين بالشىء نفسه ، بل بالقيمة التى يحتويها .. همنا هو القيمة التى يجلوها لنا المعبود .

      ويرى الأستاذ العقاد أن الدكتور جوردون مثال للعالم الذى يؤمن وإيمانه قائم على حقيقة خارجية ، ومثال للعالم الذى يؤمن وإيمانه قائم على حقيقة باطنية .

*          *         *

      ومن العلماء « الإيمانيين » غير هؤلاء ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ « فئة ذات صبغة خاصة تجمعها شعبة واحدة من شعب العلم الطبيعى ، أو مدرسة واحدة كما أسلفنا فى مقدمة هذا الفصل عن عقائد العلماء ، وهى مدرسة الذرة والبحث فى بناء المادة ، ومنها أقطاب هذا البحث من طبقة بلانك وهيزنبرك وأدنجتون وجينس ، ومذهبهم فيما وراء المادة مجمل فيما أشير إليه آنفًا عند الكلام على قوانين الطبيعة ، ومحصله أن المادة تحولت إلى ضياء ، وأن الضياء تحول إلى معانٍ كمعانى المعادلات الرياضية الذهنية ، وأنه لا محل بعد اليوم للاعتراض باسم العلم على المعانى المجردة لأنها مخالفة لما تصوره الأقدمون من شرائط الوجود الثابت فى الحس والعيان ، ومعظم علماء هذه المدرسة يجاوزون الناحية « النافية » التى تكتفى بنفى الموانع ويذهبون شوطًا بعيدًا فى الإثبات الموجب كما فعل جنيس فى قوله بالعقل المدبر ، وكما فعل أدنجتون فى قوله إن العالم غير المنظور فى صميمه يوحى بهيمنة « الذات » الإلهية عليه ، تمييزًا للإله أن يكون مجرد معنى كما تصفه بعض النحل البرهمية القديمة ، وإقرارًا لعقيدة « الذات الإلهية » كما يؤمن بها المتدينون »

      « ولا يقف بلانك وهيزنبرج دون هذا الشرط فى الإثبات الموجب ، ولكنهم يقنعون بفتح أبواب الإلهام الدينى على أوسعها من قبل التفكير » .

*          *         *

      ويرى الأستاذ العقاد أن هذه النظرات لم تستوعب موقف العلماء جميعًا من العقيدة والإيمان . ففى العلماء كثيرون لا يذهبون إلى هذا المدى ، ولكنهم لا يقفون موقف العداء أو عدم الاكتراث لما يبديه زملاؤهم ويحاولونه فى هذا المجال .

      ومنهم من يود لو يعتقد ، ولكنه لم يجد عقيدته .

      ويتمثل الأستاذ العقاد بعالمين ، كل منهما بشعبة من البحث العلمى كادت أن تكون من خصائص القرن العشرين .

      أحدهما مالنوسكى البولونى (1884 ـ 1942) ، أشهر الباحثين فى الأجناس البشرية .

      والآخر ألبرت إينشتين ، العالم الألمانى الإسرائيلى ، صاحب مذهب النسبية المشهور .

      فحوى ما يقوله العالم البولونى ، إنه لا يدرى . ليس فى وسعه أن ينفى وجود الله ، وليس يميل إلى نفيه ، فضلاً عن القول بأن الإيمان بالله غير لازم ، وأنه يتمنى أن يكون هناك بقاء بعد الموت ، ويود أن يجد نفسه قادرًا على قبول عقيدة موجبة فى العناية الإلهية سواء مسيحية أو غير مسيحية .

      أما إينشتين ، فيحسب الإيمان بالله على أنه « ذات » ، ولكنه يؤمن بعالم غير عالم الشهادة . ولب الديانة عنده أن يعلم أن الذى لا ننفذ إليه بمداركنا ـ هو موجود حقًّا متجلٍّ حقًّا .. يطالعنا بالحكمة العليا والجمال الرائع ، ولا تحيط به عقولنا الكليلة إلاَّ بأشكال بدائيـة كالظلال .

*          *         *

      ويختم الأستاذ العقاد هذا الفصل ، بأن استقصاء المعتقدات التى يدين بها جميع العلماء ـ ليس ميسورًا ، ولكنه يحسب أنه تمثل بما يجزئ فى الإبانة عن مناحيها ، وأنه قد تلاقى الجازمون والمترددون منهم فى تبرئة العلم من عداء الدين .

 

عقائد الأدباء

 

      يستشهد الأستاذ العقاد بأقوال الأدباء فى العقيدة لأنهم دارسون ، ولأنهم موضوع
دراسة
..

      هم دارسون لأنهم يفكرون فى عقائدهم ويمحصونها ويقبلون منها ما يقبل ويرفضون منها ما يرفض ، أو ينشئون لأنفسهم عقائدهم المختارة حين يرفضون كل ما ورثوه من المعتقدات ..

       وهم موضوع دراسة لأنهم يمثلون شعور عصرهم ويعبرون عنه . فمن أراد أن يدرس المعتقدات فى عصر من العصور فمن أقرب وسائله أن يراجع أقوال أدبائه عن أنفسهم وعن أبناء عصرهم ، فيعرف منها أنماطًا صالحة لتصوير تلك المعتقدات  .

      ومن المتفق عليه ـ فيما يرى ـ أن العقيدة حاجة إنسانية فى ضمائر المعتقدين ، وهى بذلك شعور نلتمسه فى أقوال الأدباء الذين يشعرون ويعبرون عن شعورهم .

      وعلى مقتضى هذا تكون العقيدة موضوع امتحان ودراسة فى نظر العلم .

      وهى فى ميدان الأدب موضوع تجربة وتصوير وتعبير .

      فوظيفة العالم تنتهى حين يقول إن علمه يقبل هذه العقيدة أو يرفضها ، أما الأديب فوظيفته الشعور والتفكير .

      هذا وأدباء القرن العشرين فى الغرب على صنوف ، منهم من سوف يروى كلامه عن العقيدة لأنه صاحب رأى فيها .

      ومنهم من يروى كلامه لأنه صورة معبرة تدل على مجرى الشعور بين أمثاله ، وكلهم يضيفون إلى صفتهم الأدبية صفة المطلع المستفيد من علوم عصره ومباحث علمائه ، فهم من ثم مثال صادق لزمانهم فى الحالين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *