فى مدينة العـقاد ( 782 ) عقائد المفكرين فى القرن العشرين (10)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

 

محصل وتمهيد

 

     هذه وقفة يتوقفها الأستاذ العقاد ، يراجع فيها خلاصة ما فات ، توطئة لما هو قادم .

    محصل الفصول المتقدمة ـ  فيما قال ـ إن أسباب الإنكار فى القرون الماضية فقدت قوتها في القرن العشرين .

    كانت أسباب الإنكار حجة ـ فى نشأتها ـ على بطلان العقائد التي واجهتها.

    ولكنها قد صارت فى القرن العشرين إلى موقف آخر ، حيث تنقلت هذه الأسباب بين مباحث العلم والعقل حتى صلحت لإعادة النظر .. أى للشك فى الإنكار، بعد أن كانت مصوبة للشك فى الإيمان.

     ومن دلائل التدبير الإلهى ، أن الثابت اليوم أن الأرض سيارة حول الشمس ، وليست مركزًا للكون تدور حوله السيارات والشموس.

    وصار من الجزاف القول بأن المحسوسات هى وحدها الوجود الحقيقى .

    ويعود النشوئيون اليوم فلا يجدون فى مذهب النشوء ما يعطل الإيمان.

     وفى مشكلة الشر ما يحفز النفوس اليوم  على الإيمان ، ويزعجها أن تركن إلى التعطيل والإنكار .

     ومحصلة هذه الأسباب هى التمهيد الواجب ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ لبيان العقائد التي اختارها أناس من مفكرى القرن العشرين فى مختلف مذاهب التفكير . منهم علماء وأدباء وفلاسفة وأخلاقيون .

 

عقائد العلماء

 

   اختار الأستاذ العقاد ، بداية لحديثه عن عقائد العلماء الذين تفرعوا بين التقرير والتوكيد ، والترجيح والرغبة ، والاستعداد والانتظار ـ اختار علمًا من علماء القرن العشرين ـ هو الدكتور « ألكسس كاريل ـ  « Alexis Carrel ـ الطبيب المتخصص في بحوث الخلية ونقل الدم والأعضاء ، المشتغل بالطب علمًا وجراحة وإشرافًا على معاهد العلاج والنظريات العلاجية، والفائز بجائزة نوبل سنة ١٩١٢ ، والذى عمل مديرًا لمعهد الدراسات الإنسانية بفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية .

    وهو إلى ذلك ، عاش حياته كلها فى حومة بواعث القلق النفسى فى أوروبا  وأمريكا ، ولم ينقطع قط عن الاهتمام بالحياة فى خلايا الجسد وفى أعماق الروح.

    وهو فيما يرى الأستاذ العقاد ـ  أبعد شوطًا فى الإيمان بالله بين العلماء المعتقدين ، وخلاصة إيمانه أن الله لازم للإنسان لزوم الماء والأكسجين ، وأن مراقبته فى تجاربه ـ للآثار المادية ـ  أثبتت له أنه يُعزى إليها ما يتعرض له الشباب من الخلل العقلى والحطة الخلقية ، فضلاً عن التشبث بالآراء الحتمية ، وفقدان القدرة على صحة الحكم والتبصر .

    ويؤمن كاريل بأن كل خلية في الجسم تهتدى بالعقل الأبدى إلى موضعها من البنية المرسومة ، وتعمل فى كل خطوة من خطواتها كأنها ترى تكوين الجسم كله ماثلاً أمامها، ولهذا يعن له أن وجود الخلية الحية أبدى غير زمنى ، لأنها تحتوى الوجود المقبل قبل وجود الزمان، ويعن له كذلك أن الكون على رحابته مملوء بعقول فعالة غير عقولنا، وأن العقل الإنسانى هاد قاصر بين دروب التيه التى حوله إذا كان معوله كله على هدايته ، وأن الصلابة من وسائل الاتصال بالعقول التي حولنا وبالعقل الأبدى المسيطر على مقادير الأكوان قاطبة فيما هو ظاهر لنا وما هو محتجب عنا فى طى الخفاء ، وليست قوة الصلاة عنده مقصورة على صاحبها، ولا هي من قبيل الإيحاء النفسى الذي ينفع الإنسان لإقناعه به فى صميم وجدانه، بل هى قوة تسري من المصلى إلى غيره ، ويستطيع أن ينفع بها غيره إذا توجه إلى الغيب داعيًا له ملتمسًا له الهداية والفلاح .

    وكتب « كاريل » رسالة صغيرة عن الصلاة ، قال فيما قاله فيها إن الصلاة تستمد فعلها من عمقها وخلوصها ، وأنها تسام من النفس إلى أوج اللامادية ، وهى  أكثر ما تكون شكاية أو ابتهال ، وفى بعض الأحيان تأمل خالص فى أصول الوجود ومصادره ، وارتفاع بالروح إلى المقام الإلهى .

     وأن الشعور بالجانب « المقدس » من هذا الوجود ـ حالة لا تنفصل من حالة الخشوع الذى يلازم الصلاة.

     وهذا الشعور بالقداسة ، مع قوى النشاط الروحانى ، يقيمنا على اتصال بآفاق الخفاء الهائل من الروح والعالم ، وأنه بالصلاة يسمو الإنسان إلى الله ويداخل الله سريرته.

    وقد كانت رسالة الصلاة زبدة آراء العالم الطبيب في مسائل العقيدة ، ومنها كتابه : « الإنسان المجهول ـ « Man The Unknown ـ وهو فيما يرى الأستاذ العقاد ـ أجرأ كتاب كتبه عالم باسم الطب والعلم فى مسائل العقيدة والروح ، وقد أعلن فيه أن النظر إلى الإنسان كأنه « آلة جسدية » ـ هو « خطأ  طبى » ، أو خطأ علمى ، وختمه بنداء إلى ذوى الرأى والبصيرة كأنه توسل أو ضراعة فى محراب ، ناشدهم فيه أن يعتقوا ضمائرهـم مـن ربقة الكون المادى الذى بناه الطبيعيون والفلكيون ، وأن الوقت قد حان لأن نحقق خلاصنا بأنفسنا ، وأن نطلق أنفسنا من المصطلحات العمياء ونقبل على طبائعنا بما أودعت فيها من الغنى والذخيرة المركبة ، بيد أننا لا نزال غائصين في الدنيا التي خلقتها علوم المادة الميتة ، غير ملتفتين إلى عوامل النمو والكمال التى فى نفوسنا.

      ويبدو أن ما جاء به هذا الكتاب ، وتجاوبت معه الأندية العلمية والدينية ، فضلاً عن وطأته على مذاهب الإنكار ـ قد حمل دعاته على تطويقه وضرب نطاق خفى لمصادرته ، فأوقف نشره عند حد محدود!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *