فى مدينة العـقاد ( 763 ) إبليس (15)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الأديان الكتابية

(جـ) الإسلام 

 

       يختلف دور الشيطان اختلافًا جوهريًّا فى الديانات الكتابية الثلاث ، وهو اختلاف جوهرى لأنه يدخل فى كيان كل ديانة منها ، وترتبط به مقاييسها للخير والشر والتبعة والعقاب .

      دور الشيطان فى العبرية دور عامل مستغنى عنه لأنه شبيه بغيره.

     وهو فى الديانة المسيحية عامل فضولى مرذول ، يختلس ويروغ ويخذل فريسته بالنية الخفية والعمل المكشوف .

    على مسرح الخلق  ـ دور الشيطان في الديانة العبرية دور « النكرة » الذي ينوب عنه كل نكرة مثله .

     أما المسيحية فدوره فيها على مسرح الخليقة ـ دور الشرير فى قصة الخلق كله ، فقوام الخليقة سجالٌ بين الخطيئة والكفارة أو الغفران . فلولا غواية الشيطان لما سقط آدم ، ولولا سقوط آدم لما كانت ذريته فى حاجة إلى الخلاص من طريق الفداء .

     أما الإسلام ، فليس فيه ذنبٌ يرثه الأبناء والأحفاد ، فكل إنسان طائرة فى عنقه ، هو بما كسب رهين ، ولا تزر وازرة وزر أخرى . وغواية الشيطان لا تخلق الخطيئة ولا تعفـى منها .  

     فى القرآن الكريم ، يحمل آدام وحواء تبعة الخطيئة ..

     « قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ » ( الأعراف 23) ولا سلطان للشيطان على المؤمنين . 

     وكلما ذُكرت فى القرآن الكريم غواية إبليس ـ ذُكر معها أنه ما كان له عليهم من سلطان .

   « إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ »( الحجر 42) .

  ولذلك تقول الشياطين لمن يرجع إليهم بذنبه :

     « وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ » ( الصافات 30)

     ولا ينفع من ضلّ أن يعتذر بوسواس الشيطان ، والشيطان نفسه ينكره ويتبرأ منه :«  كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ » (الحشر 16) .

     « وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » ( إبراهيم 22) .  

     وليس للشياطين علم الغيب ولا علم السحر ، إنما هو خداع للحس وفتنة للنفس . المسحور كالمخمور مخدوع الحواس .

   « فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى » ( طه 66)

   « وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ » ( يونس 77)

    وعلى هذه الصفة ، تروى تبعات الخطيئة حيث رويت فى قصة آدم وما بعدها من قصص الأولين .

    وقد رويت قصة آدم فى أكثر من موضع بالقرآن الكريم ، ورويت توبته من عمله أو قوله فى بعض هذه المواضع ، وتتفق جميعًا على أن « التكليف » هو مناط المسئولية ، وأن هذا التكليف هو الذى يفرض على الإنسان أن يُسأل عن خطيئته وإنْ وسوس له الشيطان ، وتحسب له توبته وإنْ كانت بهداية الله .

    وأورد الأستاذ العقاد استشهادًا على ذلك ، الآيات 30ـ 38 من سورة البقرة ، والآيات 26ـ 42 من سورة الحجر ، وأحيل القارئ الكريم عليها .

    ويقفى الأستاذ العقاد بأن الشراح الغربيين قد تساءلوا فى قصة آدم عن معنى الشجرة التى أكل منها آدم وحواء فى الدين الإسلامى ، وقال بعضهم إن القرآن تركهم فى حيرة بشأن هذه  الشجرة ، وبشأن ما جناه آدم وحواء من أكل ثمراتها .

       وهذه الحيرة ، حقيقيةً كانت أو مدعاة ، مرجعها إلى أن هؤلاء قد أقبلوا على القرآن وفى  أذهانهم « معنىً محددٌ معلومٌ » أرادوا أن يجدوه في القرآن فلم يجدوه كما أرادوا .

      وليس يخفى على القارئ الناظر فى القصـة ، أن ثمرات هـذه الشجـرة هـى ثمرات « التكليف«  بجميع لوازمه ونتائجه ، وأن الفارق بين آدم قبل وبعد الأكل منها ، هو الفارق بين الحياة في دعة وبراءة ، والحياة « المكلفة » التى لا تخلو من المشقة والامتحان بالفتنة ومعالجة النقائص والعيوب .

      وكلما تكررت القصة فى الآيات القرآنية ، كان فى تكرارها ـ كما يقول الأستاذ العقاد
ـ تثبيت لهذا المعنى على وجه من وجوهه المتعددة ، ويبدو ذلك جليًّا من المقابلة بين ما تقدم وما جاء عن هذه القصة فى سورة الأعراف ( الآيات من 11 – 27 ) حيث تذكر التصوير بعد الخلق ، أو إعطاء الصورة بعد إعطاء الوجود .

       ومن تمام التأكيد على هذا المعنى ، وعلى حدود التكليف فى هذه القصة ، ما ورد بالقرآن الكريم فى مواضع عدة عن مناط التكليف ، فكل امرئ مسئول مكلف ، ولا يغنى تكليف آدم عن تكليف ذريته وأعقابه ، فهو مكلف وهم ومكلفون ، وخطيئته لا تمتد إليهم ، كما أن توبته ـ  وحواء  ـ لا تغنى عنهم .

       ويميل الشراح الغربيون ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ يميلون إلى النقد كلما وجدوا له سانحة فى قصص القرآن ، ولا سيما فى هذه القصة ، ومن هؤلاء « بابينى » الإيطالى صاحب كتاب الشيطان ، فإنه يستغرب أن يُؤْمر إبليس بالسجود لآدم مع غلو القرآن فى تحريم الشرك وفى تنزيه الوحدانية .

       بيد أن المطلعين من الشراح الغربيين على اللغة يفهمون معنى السجود هنا ولا يخرجون به عن معنى التحية والإكبار ، ومنهم من يفعل ذلك لأنه يريد أن يرجع بعقائد الإسلام إلى الأصول الإسرائيلية .

      ومع أنه كان يغنى الأستاذ العقاد أن يشير إلى أن السجود سواء بالمعنى الحرفى أو بمعنى التحية والإكبار ـ لا مخالفة فيه للوحدانية أو شبهة الشرك ، لأن الآمر بالسجود هو الله ، وتنفيذه تلبية لأمر الله .

       إلاَّ أن الأستاذ العقاد آثر أن يتوسع لإثبات أن من النقاد الدينيين فى الغرب من لا يفطنون للخاصة الإسلامية الأخرى المتمثلة فى قصة آدم مع الملائكة والجان ، ويخلط غير المتفطنين بين الزلة والسقوط  .

      وجوهر المسألة كلها التى أفاض الأستاذ العقاد فى تناولها ، أن القرآن الكريم لم يذكر قط  شيئًا عن سقوط الخليقة من رتبة إلى ما دونها ، ولم يذكر قط شيئًا عن سقوط الخطيئة الدائمة أو الخطيئة التى يدان فيها الإنسان لعمل غيره .

       ذلك أن الإسلام جاء بخطوة عظمى فى أطوار الأديان ، فقرر فى مسألة الخير والشر والحساب والثواب ـ قرر أصح العقائد ، وقوام ذلك عقيدتان  :

أولاهما   وحدة الإرادة الإلهية فى الكون .

والثانية  ملازمة التبعة لعمل العامل دون واسطة أخرى بين العامل وبين ضميره وربه .

     والأديان  الكتابية لم تتعاقب عبثًا ، ولم تأت المقدمات فيها بغير نتائجها .

     وحين جاء الإسلام ، فإنه بسط على الوجود كله ـ وحدة لا ثنوية فيها على أى وجه من الوجوه ، ومنح الإرادة الإنسانية حقها وتبعتها وجعلها ظالمة أو مظلومة تبعًا لاختيارها بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والصواب والخطأ  .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *