فى مدينة العـقاد ( 762 ) إبليس (14)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     لا يتوقف تاريخ اللاهوت بعد أوريجين ، فيما يورد الأستاذ العقاد ـ على أسماء أكبر من أسماء القديس « أوغسطين » ، والقديس « توما الأكوينى » ، « ومارتن لوثر» رافع علم الثورة الذى سمى هو نفسه شيطانًا، وسمى الحبر الأعظم فى زمانه بالشيطان  .

 

أوغسطين

 

     أحاط « أوغسطين » (٣٥٤  430م) بما تقدمه من الشروح والفروض فى موضوع الشيطانيات ، وذهب مذهب « أوريجين » ، فى أن سقوط الشيطان مرجعه أنه أشقى نفسه بحسده وكبريائه فأنزله الله من سماء الأثير الصافى ، إلى هواء الأرض الكثيف .

     ولكن أوغسطين ، مع اطلاعه ـ كأوريجين ـ على أطراف من الفلسفة اليونانية ـ أبى أن يقرر بأن امتياز الشيطان بالجسد يرفعه رتبة على الإنسان .

     وفى كتابه المشهور « مدينة الله» عن ملكوت الله ، قابل فيه بين هذا الملكوت ،  والعالم الذى قد يسيطر عليها الشيطان عنوة أو بالكيد والخديعة .

     ويرى أوغسطين ـ كمن تقدموه وأتوا بعده ـ أن الشيطان عليم بالسحر قادر على نشر الأوبئة والمداواة منها ، وأن الأوثان المعبودة شياطين لها هذا العلم وهذه القدرة وفى وسعها أن ترضى عابديها بقضاء حوائجهم ومطامعهم .

 

توما الأكوينى

 

     والقديس « توما الأكوينى » (١٢٢٧–١٢٧٤م) هو أعظم الأعلام فى اللاهوت المسيحى بعد أوغسطين ، و فلسف العقائد المسيحية على مثال لم يُسبق إليه ولم يلحقه أحدٌ بعده .  

     ومحور فلسفته حرية الإرادة التى يملكها كل مخلوق عاقل ، وأولهم الشيطان لأنه كان فى المنزلة العليا بين المخلوقات العلوية وأذهلته العظمة حتى طمح إلى مساواة الله فى عظمته ومشاركته في وحدانيته .

      وهو يسمى هؤلاء الشياطين جميعًا بالكائنات العقلية أو الكائنات الذهنية ، تمييزًا لها عن الحيوانية المولدة من التراب ، ويقول إنها مسلطة على عقول البشر لاستدراجها .

     ويجاري توما الأكوينى ـ يجارى من تقدموه فى الاعتراف للشيطان بالقدرة على العجائب والأفانين التي تشبه المعجزات ، بيد أنه يحد هذه القدرة أنه ليس بإمكان الشيطان إتيان الخوارق التى من عمل الإله الذى وضع للعالم نظامه ، وإنما يستطيع الشيطان إثارة المادة بعناصرها فيدمر بها من تُراد له الفتنة ، دون تبديل جوهرها أو جوهر الروح ، وأن كل ما يتهيأ للناس من معجزات الشيطان إنما هو خداع لحس الإنسان حتى يرى الأشياء على غير صورها أو تعديل أشكالها  .

 

مارتن لوثر

 

     جاء مارتن لوثر أواخر القرن الخامس عشر، وعاش إلى ما بعد منتصف القرن السادس عشر (١٤٨٣–١٥٤٦م ( .

     ولم يتغير بين عصر الأكوينى وعصره ـ معتقد واحد من المعتقدات التى كانت شائعة عن الطبيعة الشيطانية . 

     فكان لوثر يؤمن ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بوجود السحرة ومبايعتهم سرًّا أو علانية لأرواح الشر وزمرة الشيطان . وكان يؤمن بقدرتهم على تسخير الأوبئة والآفات واستحقاقهم قضاء الموت الأبدى بممالأتهم الشيطان على المؤمنين الأبرياء ، وتعددت فى أحاديثه الروايات التى تدور حول ذلك . 

*       *       *

     وقد انقسم الباحثون فى « الديمنولوجى » ـ إلى قسمين متنازعين : قسم اللاهوتيين ، وهمهم الأكبر أن يوفقوا بين النصوص الكتابية ومعارف الزمن الحديث . وقسم العلماء التجريبيين ، وهمهم الأكبر أن يدفعوا عن أنفسهم تهمة التحالف مع الشيطان .

     ورجوعًا إلى اللغة التى كانت متداولة بين الناس من قبل القرون الوسطى ، فإنه يغلب على الظن ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ  أن سهولة التعبير المجازى قد سولت لأناس فى القرن التاسع عشر أن يقحموا فوارق اللون والعنصر في أحاديث « الديمنولوجى »، وأن يزعموا ـ كما زعم الدكتور كارترايت ( أستاذ الأدب الإنسانى ) ـ  أن الشيطان لم يتكلم فى الجنة بلسان الحية ، بل كان كلامه بلسان زنجى أسود على مثال الشيطان الذى كان يُصبغ بالسواد فى صور القرون الوسطى.

     ويعود نقاد الاجتماع المحدثون إلى عقيدة الخطيئة وزلة آدم في الفردوس، وهبوطه مغضوبًا عليه إلى الأرض ، فيحاولون تفسيرها بأحوال الطبقات واختلاف هذه الأحوال بين عصر النبلاء وعصر أبناء الطبقة الوسطى..

     ومن هؤلاء النقاد« جون فيلكسنر « Felexner ـ الأمريكى ، الذي قـال فـى كتبـه عن الملك الفنان: « إن عقيدة القرون الوسطى أن الإنسان سيئ بطبيعته من أثر الخطيئة المتأصلة فيه والتى وافقت الميول الأرستقراطية لأنها سوغت كبح الفرد والحـد مـن حريته « .

     ويرى الأستاذ العقاد أنه لا يوجد بين العقائد والأحوال الاجتماعية ما يرجح هذا التفسير أى ترجيح ، لأن عقيدة سقوط آدم تشمل الإنسان الحاكم والإنسان المحكوم ، واقترنت بها عقيدة السيادة الشيطانية على الأرض ، والتى شاعت فى العصور الحديثة .

 

المسيحية

 

     ويختم الأستاذ العقاد هذا الفصل ، بأن المسيحية فرقت بين مملكة العالم وملكوت السماء أو ملكوت الله الذى بشّر به السيد المسيح عليه السلام .

     وجاءت رسالتها في جانب الإنسان المغلوب ، وبأن سيادة العالم هي ثمرة الخطيئة التى
باء بها الغالبون ، وأن ما تبوأه الشيطان ليس تعظيمًا له ، بل تهوينًا من شأن العالم
( الأرضى ) ، وتحقيرًا لغنائمه ومطامعه وشهواته.

     وعلى هذا الفهم ينبغى أن تفهم رسالة المسيحية التي بشرت بملكـوت الله ، وجعلت هذه البشارة مقارنة للنعى على السيادة الشيطانية والإزراء بها ، فكل تعظيم لسيادة الشيطان هو فى لبابه تهوين للعالم الذي يسوده ، وتقديس للملكوت الإلهى .

     وفى طبيعة الشيطان نفسه ، فرقت المسيحية بين الضرر والشر المترادفين فى الديانة العبرية . فالمسيحية هى التى فرقت بين الضرر الذى هو نقيض السلامة والأمان والمنفعة ، وبين الشر الذي هو نقيض الخير والفضيلة والصلاح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *