فى مدينة العـقاد ( 761 ) إبليس (13)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

      قد تقرر دور الشيطان و سلطانه على الشر وعلى العالم الأرضى فى مقابلة العالم الإلهى بالسماء ، فكل صنيع يوصف بالشر من عمل الشيطان دون حاجة إلى رواية  بالسماع ، وكل خطيئة أو غواية أو ضلالة أو عاقبة محذورة سيئة تنسب إليه كما تنسب الخصائص إلى معدنها بحكم البداهة .

   و كان الأئمة السابقون في صدر المسيحية يذكرون الشيطان ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بصفات لم ترد فى الأناجيل ولا فى أسفار العهد القديم . وإنما يذكرونه بالصفات التى تكون له لا محالة بحكم طبيعته و دوره .

    ومن الملحوظ ـ فيما يقول ـ أن الأخلاق والمقاييس تطورت وانتقلت نقلة واسعة بالمسيحية ، عما كانت بين أوائل العقائد العبرية ، والعقائد التى شاعت فى القرن الأول للميلاد .

   كان الضرر والشر بمعنى واحد فى العقائد البدائية .

  وكان الروح الضار كالحيوان الضار فى مقاييس الأخلاق ، أو مقاييس النعمة والبلاء .

ثم ظل الضرر والشر يتمايزان ويختلفان فى الميزان حتى وجب عقلاً أن يكون الشيطان وراء كل غواية ، ووراء الحية فى قصة غواية آدم وحواء .

    هذا ويمكن اعتبار رموز الرؤى ـ كانت مقدمة للصور التى اختارها المصورون والمثالون بعد قيام المسيحية ، وقيام هياكلها واشتغال أصحاب الفنون برسومها ومبانيها . فهناك صور للشيطان على مثال التنين ، أو بمثال أعضائه التى تُجمع فى صورة رأس إنسان ذى قرنين أو أذنين صاعدتين فى مكان القرابين .

    ولوحظ أنه كلما تقدم اللاهوت فى وصف الشيطان ـ غابت ملامح الحية والتنين وخلفتها ملامح إنسان خبيث الطلعة .

     أما الصور اللاهوتية ، فقد أفاض الآباء الأولون فى شروحها وفروضها ، واجتهد كلٌّ حسب علمه واطلاعه واجتهاده .

    فعند « ترتوليان » ـ فيما أورد الأستاذ العقاد ـ أن الشيطان الأكبر يرصد شيطانًا من جنوده لكل إنسان ، وأن أدلة وجود الشياطين متواترة فى عقائد السابقين والوثنيين ، وكلهم يسلم بأن الشيطان يتعقب الإنسان ويتسلل إليه.  ولكن المسيحى المؤمن بقدرة السيد المسيح  يملك السلطان النافذ فى هذه الشياطين .

     أما « أوريجين » وهو عند الأستاذ العقاد ـ فقيه القرون الثلاثة الأولى للميلاد وغير مدافع ، فإنه تميز إلى إيمانه الراسخ ، بالزهد واتقاء فتنة الشيطان ، وحرم على نفسه مناصب الكهنوت العليا . ـ فإنه أسند الشر والخطيئة إلى سيادة العالم ، وفرق بين الملك الساقط والشيطان الرجيم ، ووافق بعض سابقية فى أن الطبيعتين تلتقيان فى ذرية الملائكة الذين هبطوا إلى الأرض فعشقوا بنات الناس .

    وللشيطان فى نظره سبيلان للغواية : أحدهما أن يوسوس للإنسان من حيث لا يراه فيجري فى  سريرته . والآخر أن يستولى عليه ويتخبطه على هواه ويبتليه بالأمراض والعاهات وقد يسلط عليه الأوبئة والطاعون على المدن الأقطار ليبعدها عن رحمة الله .

   من عقائد « أوريجين »أن التمييز بين الخير والشر فطرة فى كلِّ موجود عاقل يدرك ويختار. ويسرى ذلك على جميع الشياطين وشيطانهم الأكبر إبليس ، وهؤلاء ضلوا لأنهم داخلهم الكبرياء والتمرد فغلبتهم الشقوة ، وعزّ  عليهم أن يجتمعوا لنداء الخير والمحبة والسلام .

   وحينما أراد « أوريجين » أن يقدر للشيطان مصيره فى نهاية العالم ، وجد فى عصره قَصَصًا دينيًّا مستفيضًا ، ولكنه رأى أن نهاية العالم عنده هى نهاية الدورة الكونية التى اعتقدها الهنود ثم اعتنقها الرواقيون بعدهم  وفرضوا لها آدابًا للسلوك تكفل لمن يسلكها أن ينجو من الكارثة الكونية مطهرًا من شوائب الحياة الأرضية .

    يقول الأستاذ العقاد :

   « ونكتفى بما لخصناه من شروح أوريجين وفروضه فى التعريف بالشيطان أو التعريف
« بالشيطانيات » على الأصح لأنه قد جعل هذا التعريف بابًا من أبواب الدراسة اشتهر فى الأزمنة الأخيرة باسم « الديمنولوجى » أى علم الشيطانيات ، ولكننا لا ننتقل منه إلى ما بعده دون أن نلاحظ على هذه التعريفات ملاحظة جديرة بالتوقف لديها فيما يروى عن القرن الثالث للميلاد على التخصيص ، ففى ذلك العهد المريب لم تكن فى العالم عقيدة غير المسيحية  توحى إلى المؤمن بها مثل هذه الثقة بالأمور المغيبة فى أدق الجزئيات
، وذلك هو سر قوتها وارتياح النفوس إليها بين ظلمات الحرية والريبة التي رانت على المذاهب جميعًا وتركتها لمعتقديها أشبه شىء بالسلوى التى يزجى بها الفراغ ، ولا تمضى مع الجد خطوة إلاَّ عادت إلى اللعب خطوات ، وقد كان أشبه المذاهب بالجد فى ذلك العصر مذهب المعرفيين Gnostics الذى كان في حقيقته عنوانًا لكل مذهب يرد على الخاطر فى تلك الآونة ، إذ كانت المعرفة ألوانًا ، وكانت ألوان الوسائل التى تطلب بها لا تقل عن ألوانها ،  ومنها ـ فيما نحن بصدده من حديث الشيطان ـ معرفة الخبرة باللذات والرذائل المحرمة لأن الجهل بها يسلب طلاب المعرفة حظا يتاح للجاهل ولا ينبغى لهم أن يتجنبوه ، وقد أباحت طائفة من هؤلاء المعرفيين عبادة الشيطان مع أصحاب النحل التي كانت تعبده وتتقرب إليه باستباحة الرذائل والأرجاس ، وتسميها المعرفة بالنور من طريق المعرفة بالظلام ، ولم تنقض فترة طويلة على هذه النحل المتفرقة حتى تجمعت منها نحلة كبيرة أوشكت أن تعم القارة الأوروبية من أقصاها شرقًا إلى أقصاها غربًا فى القرون الوسطى ، وبقيت منها ـ كما تقدم ـ بقية إلى أوائل القرن العشرين  .   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *