فى مدينة العـقاد ( 760 ) إبليس (12)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

 

الأديان الكتابية

(ب) المسيحية

 

      تحتاج متابعة الأستاذ العقاد فى هذا الفصل ، إلى كثير من الصبر المجدول بالرغبة فى المعرفة ، فقد ساح وطاف ونظر وتأمل فيما قد يضيق به القارئ المتعجل أو الملول . ولكنها المعرفة التى يحسب للأستاذ العقاد أنه يستيسر فى سبيلها كل عناء .

      ذكر الشيطان بأسماء متعددة فيما روته الأناجيل من أقوال السيد المسيح عليه السلام ، أو أقوال المتحدثين إليه .

      فذكر باسم « الشيطان » ، وباسم « روح الضعف » ، وباسم « الشرير » ، وباسم « رئيس هذا العالم » ، وباسم « بعلزبول » والذى قيل عنه بلسـان « الفريســيين » إنـه « رئيس الشياطين » .

      وتذكر الأناجيل ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ تذكر أخبار المجانين الذين شفاهم السيد المسيح فتقول عنهم تارة إنهم « صرعى الشيطان » ، وورد بانجيل لوقا فى أخبار امرأة مصابة « كان بها روح ضعف ثمانى عشرة سنة ، وكانت منحنية ولم تقدر أن تنتصب البتة ، فلما رآها يسوع دعاها وقال لها ، يا امرأة إنك محلولة من ضعفك .. » ـ وقد وردت تفاصيل هذه الروايات فى الآيات من 10 ـ 13 من الإصحاح (13) من إنجيل لوقا .

      وزعم « الفريسيون » أن السيد المسيح يحالف رئيس الشياطين ويأمرهم باسمه وسلطانه فيطيعونه ويخرجون من أجسام صرعاهم .

      وجاء بإنجيل متى : « أنه أُحضر إليه مجنون أعمى وأخرس فشفاه وتكلم الأعمى والأخرس أبصر . فبهت الجموع وقالوا : لعل هذا هو ابن داود ؟ » أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا : هذا لا يخرج الشياطين إلاَّ « ببعلزبول » رئيس الشياطين .

                 ( متى 12 : 22 ـ 25)

      وتروى القصة بإنجيل متى أن السيد المسيح علم أفكارهم ، ورد عليهم وختم بقوله : « ولكن إنْ كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله » . (متى 12: 26 ـ 29).

      ويلاحظ المقابلة هنا ـ فى كلام السيد المسيح ـ بين مملكة بعلزبول وملكوت الله ، وأن السلطان الذى لا يكون بقوة الشيطان إنما يكون بروح الله .

      وأصرح من ذلك إشارة إلى سلطان إبليس ، ما امتحن به المسيح عليه السلام وجعل يجربه فى البرية ، واستوفى إنجيل لوقا هذه القصة ، فورد به :

      « أن يسوع رجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس ، وكان يُقتاد بالروح فى البرية أربعين يومًا يُجرب من إبليس ، ولم يأكل شيئًا فى تلك الأيام فلما تمت جاع أخيرًا ، وقال له إبليس : إن كنت ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا ، فأجابه يسوع قائلاً : مكتوب أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة من الله ، ثم أصعده إبليس إلى جبل عالٍ وأراه جميع ممالك المسكونة فى لحظة من الزمان ، وقال له إبليس : لك أعطى هذا السلطان كله ومجدهن لأنه إلى قد دفع وأنا أعطيه لمن أريد . فإن سجدت أمامى يكون لك الجميع ، فأجابه يسوع وقال : اذهب يا شيطان ! إنه مكتوب : للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد ، ثم جاء به إلى أورشليم وأقامه على جناح الهيكل وقال له : « إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل لأنه مكتوب أنه يوصى ملائكته بك لكى يحفظوك ، وأنهم على أياديهم يحملونك لكى لا تصدم بحجر رجلك » ، فأجاب يسوع وقال له : إنه قيل لا تجرب الرب إلهك . ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين » .

                                     (لوقا 4 : 1 ـ 13)

      وهذه القصة فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أول فى ما جاء فى الأناجيل عن سلطان إبليس على ممالك العالم ، ولكنه لا يملك إلاَّ ما يُدفع إليه بمشيئة الإله القادر على كل شىء .

      وتلك فيما يورد ـ أول تفرقة فى الديانات الكتابية بين « إله الظلام » و« أمير الظلام »، وهذا الاسم الأخير هو الذى خلع عليه إبليس بعد عهد السيد المسيح عليه السلام .

      وآخرة إبليس ، تتضح فى كلام السيد المسيح الوارد فى الإصحاح الخامس والعشرين من إنجيل متى ، ومما جاء فى ختامه « ثم يقول الملك للذين عن يمينه : تعالوا يا مباركى أبى ، رثوا (من التوريث) الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم ، لأنى جعت فأطعمتمونى . عطشت فسقيتمونى . كنت غريبًا فآويتمونى . عُريانًا فكسيتمونى. مريضًا فزرتمونى . محبوسًا فأتيتم إلىّ … ثم يقول أيضًا للذين عن اليسـار : اذهبوا عنى يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته … فيمضى هؤلاء إلى عذاب أبدى والأبرار إلى حياة أبدية » .      (متى 25 ـ 31 ـ 46 )

      ويذكر إنجيل لوقا أيضًا أن الشيطان يداخل من يوسوس لهم وأنه « فدخل فى  يهوذا الذى يدعى الاسخربوطى فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقواد الجند ليسلم المسيح إليهم » (لوقا 22 : 3 ، 4 )

      وغاية ما وصف به إبليس من السطوة ، وما جاء بقول بولس الرسول عنه فى رسالة كورنثوس الثانية : « إن كان إنجيلنا مكتومًا فإنما هو مكتوم فى الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين » (رسالة كورنثوس الثانية 4 : 3 ، 4)

      ومن المعلوم أن « العهد الجديد » ينقسم إلى ثلاثة أقسام : أولها الأناجيل . وثانيها أقوال الرسل . وثالثها أقوال الصحابة والرواة المتصلين بالرسل . وترتيبها فى شرح بعض اللاهوتيين المحدثين :

      أن الأناجيل وحىٌ غير مصحوب بتفسير .

      وأن أقوال الرسل وحىٌ وتفسير .

      وأن أقوال الصحابة تفسير بغير وحى .

      وفى هذه المراجع أول إشارة إلى تسمية « الحية » بالشيطان كما جاء فى أعمال الرسل حيث يذكر التنين ويقال عنه « إنه التنين العظيم ، الحية القديمة ، المدعو إبليس والشيطان الذى يضل العالم » ( رؤيا يوحنا اللاهوتى 12 : 9 )

      وجاء فى رسالة يوحنا الرسول الأولى : « كل من يفعل الخطية فهو من إبليس . لأن إبليس من البدء يخطئ ، ولأجل هذا ظهر ابن الله لكى ينقض أعمال إبليس »

                (رسالة يوحنا الرسول الأولى 3 : 8 )

      ويرى الأستاذ العقاد أن الفرق فى أوصاف الشيطان بين الأناجيل وما تلاها « إنما هو الفرق بين الأوصاف السماعية والأوصاف القياسية أو العقلية فإن الشيطان لـم يتقـرر لـه « شأن » أو دور معلوم فى الأديان الكتابية قبل القرن الأول للميلاد ، وإنما كان فى الكتب العبرية أو اليهودية واحدًا من الملائكة المغضوب عليهم أو واحدًا مـن الأرواح المتمـردة فلا يُعرف إلاَّ بما سُمع من أوصافه ولا شأن له فـى ذلك إلاَّ كشـأن الأبطـال التاريخيين أو « الشخصيات التاريخية » التى تعرف بالمسموع عنها بين المسموعات المختلفة ولا يمكن أن تعرف بأوصاف عامة يقتضيها العقل والقياس .

      أما الشيطان الذى تقرر له « دور » معلوم أمام الله فلا يتوقف العلم بأوصافه على السماع بل يجوز للمفكر أن ينسب إليه كل ما يقتضيه ذلك الدور من الألوان والملامح والخصائص والتبعات ، ويجوز له كذلك أن ينسب له ما سوف يأتى به بعد أزمنة طويلة فى نهاية العالم ومصيره المقدور  ».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *