فى مدينة العـقاد ( 759 ) إبليس ( 11 )

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الأديان الكتابية

  • العبرية

 

      مسمى العبرية ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ هو ما يصدق على هذه الديانة منذ نشأتها فى بلاد بين النهرين .

     فاسم « اليهودية » حدث نسبةً إلى يهوذا بعد موسى عليه السلام .

     واسم « الموسوية » منسوب إلى موسى الذى قام بالدعوة بعد يعقوب واسحق وإبراهيم عليهم السلام .

     كذلك « الإسرائيلية » ، فهى تنسب إلى إسرائيل وهو يعقوب بن اسحق .

    وكان إبراهيم عليه السلام ـ جدهم أجمعين ـ يلقب بالعبرى فى بعض أسفار العهد القديم .

    على أنه يجب تمييز « العبرية » فى نشأتها الأولى ، من ديانة التوراة كما تلقاها المسيحيون الأوائل .

    وحملت « العبرية » عبء التوسط بين الوثنيات الأولى وعقائد التوحيد من قبل ظهورها إلى ما قبل المسيحية بنحو مائتى سنة ، ولم تستقم على عقيدة الإله الواحد المنزه عن اللوثة الوثنية إلاَّ حوالى القرن الثانى قبل الميلاد .

     على أن هذه الديانة لم تكن قط ، وللآن ، ديانة إنسانية عامة تتساوى فيها جميع السلالات وتناط فيها العقيدة بضمير الإنسان ، ولم ترتفع قط بإدراكها للتنزيه الإلهى إلى الأفق الذى ارتفع إليه آخر الأديان الكتابية وهو الإسلام .

      بل وكان العبريون ينكصون حينًا بعد حين إلى شعائر الأوثان والأصنام وعبادة البعل وتموز وعشتروت ، ويعرضون عن انبيائهم ولا يعودون إلى الوحدانية إلاَّ بعد تقرير الدعوة من جديد .

     ولبث العبريون زمانًا يصفون الإله بالصفات التى لصقت بالوثنية أو ديانات الحضارات الأولى ، فكان الإله عندهم يغار ويشفق ويتوعد بالموت ، وكانوا يقولون لموسى عليه السلام إنهم يتهمون « يهوا » بالكيد لهم ونصب الفخاخ فى البرية للتغرير بهم .

     وكانت فكرة السيادة والسلطة هى الغالبة فى عبادتهم للآلهة على فكرة الخلق ، ولم ينكروا وجود الأرباب التى تدين بها العشائر الأخرى ، ولكنهم أنكروا سيادتها عليهم ودانوا بالولاء للإله « يهوا » كما تدين الشعوب لملوكها .

     واتضح من مقارنات الأديان ، أن العقيدة تعزل قوة الشر وتحصرها فى « الشخصية الشيطانية » كلما تقدمت فى تنزيه الإله واستنكرت أن يصدر منه الشر .

     ولذلك لم يشعر العبريون الأوائل بما يدعوهم إلى عزل الشيطان ، فكان العمل الواحد يُنسب عندهم تارةً إلى الشيطان وتارةً للإله ، ويتضح ذلك جليًّا بمقارنة ما جاء بسفر الأيام الأول وما جاء بسفر صمويل الثانى ـ بشأن « إحصاء » الشعب على عهد داود . فالشيطان هو الذى أغوى داود بذلك فى الإصحاح (21) من سفر الأيام الأول ، بينما ورد بسفر صمويل الثانى ـ بشأن ذات الإحصاء ، أنه : « حَمِىَ غضبُ الرب على إسرائيل فأهاج عليهم داود قائلاً امض واحص إسرائيل ويهوذا » (صموئيل الثانى 24 : 1) .

     ولم يكن الشيطان هو الذى أغوى بالأكل من الشجرة المحرمة ، بل كانت الحية جريًا على سنن الأقدمين ، ومن قبل أن تصبح الحية رمزًا للشيطان .

    ويذكر الأستاذ العقاد أن الشيطان لم يرد قط فى كتاب من كتب العبريين قبل عصر المنفى إلى أرض بابل (586 ق . م ).. وعندما ورد ذكره لاحقًا ، جرى على الوصف لا على التسمية ، فجاء مرة بأن يعنى « الخصم » فى القضية ، ومرة أخرى بمعنى « المقاوم » فى الحرب ، وأطلق مرة على الملك الذى تصدى لبلعام فى طريقه ، لأنه كان بمعنى المعترض أو الضد أو الخصم . ولم يذكر بصيغة العلم إلاَّ فى الإصحاح الحادى والعشرين من سفر الأيام الأول الذى ورد فيه :« وقف الشيطان ضد إسرائيل ، وأغوى داود ليحصى إسرائيل »(الأيام الأول 21 : 1 ، 2).

     وكانت قرابين الكفارة تقسم بالتساوى بين الإله وبين « عزازيل » رب القفار أو الجنى الذى يهيمن على الصحراء . وكان إيمانهم بوجود الأرباب الأخرى التى يعبدها غيرهم بديلاً من صور الشياطين ، لأنها كانت تعمل عمله بصرف العبريين عن عبادة « يهوا » .

     وقد تمثل الشيطان فى صورة الواشى الموغر للصدور فى قصة أيوب عليه السلام كما جاء فى الإصحاح الأول من سفر أيوب .

     « وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب وجاء الشيطان أيضًا فى وسطهم ، فقال الرب للشيطان : من أين جئت ؟ فأجاب الشيطان وقال : من الجولان فى الأرض ومن التمشى فيها ، فقال الرب للشيطان : هل جعلت قلبك على عبدى أيوب ؟ إنه ليس مثله فى الأرض . رجل كامل ومستقيم يتقى الله ويحيد عن الشر ، فأجاب الشيطان وقال : هل مَجّانًا يتقى أيوب الله ؟ أليس أنك حميته بحياطتك إياه وحياطه بيته وكل ما يملك من ناحية ؟ .. باركت أعمال يديه فانتشرت مواشيه فى الأرض .. » (أيوب 1 : 6 ـ 12)

     ثم جاءت المحنه بتسلط الشيطان على « أيوب » لامتحان تقواه وصبره على ضربات المرض والبلاء والفقر والحرمان .

     ويورد الأستاذ العقاد أن قصة أيوب عربية باتفاق المؤرخين ونقاد العهد القديم ، وللقصة نظائر فى الأدب العربى ، وأشار إليها امرؤ القيس فى معلقته .

     على أن المهم هو انفراد هذه القصة بين كتب العهد القديم بتمييز قوة الشر والغواية فى « شخصية الشيطان » . وتلك قيمة لم يكن العبريون يميزونها سلفًا لأنهم لم يميزوا بين طبيعة الخير وطبيعة الشر ما يفرقون به بين الملائكة والشياطين ، ولم ينزهوا الإله الذى يعبدونه أو يعبده غيرهم عن « قبائح الشيطان » !

     وعلى خلاف الشائع بين أصحاب الدعايات والعصبيات ، كان أنبياء العرب أساتذة الأنبياء العبريين فى أهم الأصول الدينية ، وذكر القرآن الكريم من أنبياء العرب هود وصالح وشعيبًا وذا الكفل ، وجاء فى التوراة أن شعيبًا عَلَّم موسى وهداه إلى سياسة قومه .

     ويلاحظ أن مأثورات العبريين تضخمت بعد اختلاطهم بأهل بابل ومصر وبلاد العرب واليونان ، وظهرت فى كتب التلمود والمشنا أهم عقائدهم فى مسألة الخير والشر ، والثواب والعقاب ، وهذه الكتب جُمعت بعد المسيحية ، وظلت تُجمع ويضاف إليها حتى القرن العاشر للميلاد .

     ويدل تأخر المصادر التى فَصَّلَت أوصاف الشيطان ـ يدل فى رأى الأستاذ العقاد على أن العبريين تأخروا فى التمييز بين الخير والشر ، وفى الروايات التلمودية ما يؤكد ذلك ـ أما قبل ذلك بعدة قرون ـ كان كتاب التوراة يذكر الشياطين بأسمائها البابلية .

     وعلى خلاف عادة الأستاذ العقاد ، أشار هنا إلى أن أهم المراجع التى اعتمد عليها فى هذه السطور : كتاب « الشيطان صورة » لمؤلفه « إدوارد لنجتون ـ Edward Lengton » ، ويذكر أن الديانة العبرية تحملت أعباء التوسط بين الديانات الوثنية وديانات التوحيد الكتابية ، وأن صورة الشيطان فى عقائدها أوفق مقياس لبيان سلم التطور الذى ارتقت عليه من أقدم عهودها إلى ظهور المسيحية .

     ويورد الأستاذ العقاد بعض ما ورد فى « الزوهار » ( ويقصد بذلك كتاب الزوهار ـ والكلمة عبرية بمعنى الإشراق والضياء ) ، وبعض ما ورد فى « ميثاق أخنوخ » الذى عرف بمواهبه المتفوقة ، والذى يروى عنه أنه عَزَّرّ ( أى لام وأدب ) الملائكة المتمرسين بشهوات الأرض ، وقال لهم حين تشفعوا به : « أولى لكم أن تهجروا الأرض وأن تعيشوا سماويين لا تأكلون ولا تشربون » .

     وعلى خلاف عادة الأستاذ العقاد أيضًا ـ أشار هنا إلى أنه تُراجع فى كل هذه العقائد « مجلدات الأساطير اليهودية » ـ « Legends of the Jews » ـ التى جمعهـا « جنجبرج » ـ « Gingburg » .. هذه الأساطير التى قرر بعض علماء الأساطير العبرية ـ أن اليهود أخذوا طائفةً من قصص الشيطان رواية عن المصادر الإسلامية .

     ولوحظ ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ أن اختصاص الشيطان بصفاته التى تنافر الأخلاق العليا ـ كان يزداد كلما استعار العبريون شعائرهم ومأثوراتهم من أبناء الحضارات الكبرى ، وأن أنبياءهم الذين أكدوا لهم عقيدة التوحيد والتنزيه ، لم يلاقوا منهم إلاَّ صدودًا قبل القرون الثلاثة الأخيرة التى سبقت المسيحية .

     الخلاصة ؛ أنه لما تلاقت العبرية والمسيحية فى الزمن ، كانت صورة الشيطان على ما انتهت إليه يومئذ ـ ميراثًا مشاعًا لا يستند فيه اليهود إلى نسختهم من التوراة ولا إلى أسانيدهم « الرسمية » ، ولكنها كانت صورة لا يختصون بها ولا يمتنع على غيرهم قبولها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *