فى مدينة العـقاد ( 758 ) إبليس (10)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

    أدق توصيف لهذا الفصل ، أنه « وقفه » رآها الأستاذ العقاد لازمة لاستخلاص وجيز ما فات وقطعته البشرية بشأن قوة الشر ، قبل أن ينتقل إلى عقائد أهل الكتاب فى قوة الشر العالمية .

   فى الخطوات الأولى لم يكن هناك تمييز بين خير وشر ، ولا بين إله وشيطان .

   آمن الإنسان بالأرواح والأطياف من أول عهده بالدين فى الهمجية الأولى ، وآمن منها بما يرجوه وما يخشاه كما يرجو النفع ويخشى الضرر ، ولكن بلا مقياس أرفع من التفرقة فى الحيوان  بين الأنيس والضارى ، وفى الحشرات بين المأمونة والسامة .

    وخطا الإنسان فى طريق التدين خطوة أخرى حين قسم الأرواح والأطياف إلى طيب وخبيث ، واحتاج إلى الكاهن والساحر ، لترويض الخبيث بالرقى والتعاويذ ، وليجزى عنه الطيب بالقرابين والدعوات .

    وبذلك انفصل دور الدعاء ودور السحر ، وإنْ عمل فيهما كاهن واحد .

    ثم خطا الإنسان خطوة أخرى من التمييز بين المنفعة والمضرة ، وبين المنفعة التى تصدر على الدوام من الطيبة وحسن النية ، والمضرة التى تصدر على الدوام من الخبث وسوء النية .

   وعاش الإنسان عصورًا مديدة ـ فيما قال الأستاذ العقاد ـ وهو يقدم على الأعمال أو يتركها تبعًا لكونها مأمونة نافعة أو محذورة وخيمة العاقبة .

    وعندما جعل الإنسان يقوم ويدع تبعًا للواجب المطلوب والمحرم المحظور ـ كانت هذه خطوته الأولى فى التمييز بين الواجب والمحرم ، وبين الخير والشر .

       هذا وحين تجمعت القبائل فى أمة ذات مجتمع واحد وشريعة واحدة ، عمت نظرة الإنسان إلى الشر والخير ، وجعلت تتسع فى عمومها حتى برزت فى ذهنه فكرة « النوع الإنسانى » ومن ثمراتها الفكرة عن ضمير الإنسان .

     ما تقدم كان إيجازًا لما قطعته الحضارات الأولى من خطوات سابقة على الأديان الكتابية ، بيد أن هذه الخطوات كانت متفرقة لم تتقابل دائمًا فى اتجاه واحد إلى معنى الخيرات والشرور .

   فى الحضارة المصرية الأولى كانت مسألة العالم مسألة دولة وشريعة ونظام وعرف . فالخير شريعة تستتب بها وعليها الأمور ، والشر مروق يخل بالنظام الذى استتبت عليه الشريعةٍ .

   وفى الحضارة الهندية ـ كانت المسألة مسألة كونية ، فالكون الظاهر كله باطل وشر ، ولا خير إلاَّ فى الإعراض عنه والنفاذ إلى ما ورائه .

   وفى حضارة بين النهرين بفرعيها فى فارس وبابل ـ كانت المسألة مسألة فلكية ، قوامها النور والظلام ، فما ليس نورًا فإنه ظلام ، وكل الوجود بين النور والظلام ، وهذه خلاصة الديانات « الثنوية » فى مختلف المذاهب والتأويلات .

   وفى الحضارة اليونانية الأولى ، كان الخير فيها مسألة حظ ، والشر فيها مسألة اعتراض لذلك الحظ ، ولم يكن « زيوس » رب الأرباب الأطيب أو الأعلم أو الأرفع ، وإنما هو « الحظ » وحده الذى يعزى إليه علوه بلا فضائل . وكان « الحظ » هو مدار القصائد الكبرى والدرامات التى وضعها نوابغ شعراء اليونان القدامى ، وجرت فيها مصائر الأبطال بما كتب عليهم منذ مولدهم من قسمة مبرمة وقضاء محتوم لا مهرب منه ، وعلـى ذلك جـرى النـزاع بيـن « زيوس » و« برميثيوس » .. الغلبة فيه لصاحب الحظ .

   فى هذه العجالة يحدد الأستاذ العقاد ـ فيما يقول ـ الخط الفاصل بين الحضارات الأولى والأديان الكتابية من زاوية النظر إلى « قوة الشر العالمية » أمام قوة الخير أو أمام المشيئة الإلهية التى آمن بها الناس وهم يعلمون فكرة « النوع الإنسانى » وما تلاها من فكرة أرفع هى « ضمير الإنسان » .

    هذا الحد الفاصل ـ فيما يرى ـ هو الفارق فى التقديم والتأخير بين صفتين من صفات الإله الأكبر .

    صفة السيادة والسلطان .

    وصفة الخلق والتكوين .

     آمن الأقدمون بأن الله خالق الأكوان ، ولكنهم لم يبرزوا صفة الخلق كما أبرزوا صفة السيادة والسلطان ، ولعلهم كانوا منساقين فى ذلك وراء عقائد الفطريين الأسبقين الذين كانوا يؤمنون بأرواح لم ينسبوا إليها خلق شىء  ناهيك بخلق الكون . وقد تدرج الناس من عبادة الروح المتسلط إلى عبادة الإله المتسلط ، مع أنهم آمنوا بأنه خالق الأكوان ، ولكنهم جعلوا صفة الخلق تابعة لصفة السيادة والسلطان .

     أما الديانة الكتابية فقد أبرزت صفة الخلق والتكوين ، وجعلتها شاملة لكل ما عداها من الصفات الإلهية ، ومنها صفات السيادة وتصريف المقادير .

      ومن هذا الفارق أتى أن الشر فى الحالة الأولى إنما يُحسب من قبيل الحماقة قبل أن يُحسب من قبيل الكنود والفساد .

     وبين هذا وبين وصف الشر بالسوء والكفران بونٌ شاسع ، لم تعبره الأمم الإنسانية طفرة واحدة ، وإنما تقدمت فيه خطوات تلو خطوات كما سوف نرى في عقائد الأديان الكتابية ، مما قبل التوراة إلى ما بعد الإسلام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *