فى مدينة العـقاد ( 757 ) إبليس (9)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الشيطان
فى حضارة اليونان

 

     قدم الأستاذ العقاد لهذا الفصل ، ببحث سبق أن تناوله في كتابه « أثر العرب في الحضارة الأوروبية » ــ تعرض فيه لدعاوى الأوروبيين ومزاعمهم التى تستهدف ترجيح كفتهم باسم اليونان ، وبخس أو غمط الشرق حقه بما فيه الأمة العربية ، بدعوى أن العرب نقله لا مبدعين ، وهو ما رد عليه الأستاذ العقاد باستفاضة نحيل فيها على ما أورده في مقدمة هذا الفصل ، وهو إجمالاً ما سبق أن تعرض له في كتاب « أثر العرب في الحضارة الأوروبية » ــ وهو ما سبق أن تناولناه فى المجلد الثانى من « مدينة العقاد » ـ لنقصر تعرضنا هنا على ما يتعلق بمسألة الشيطان أو « قوة الشر » موضوع هذا الكتاب .

    فى الحضارات الشرقية ترى « قوة الشر» مغضوب عليها لأنها تضر وتفسد وتدس الغواية على الإنسان .

      ولكن الأمر ينقلب تمامًا ـ فيما يسوق الأستاذ العقاد ـ في معايير الأرباب اليونانية ، لأن « برومثيوس » الذي ينصب عليه غضب الأرباب وكبيرهم « زيوس » ـ هو المعلم ـ نقصد « برومثيوس » الذى هدى الإنسان إلى سر النار، وألهمه السعى فى طلب البقاء ، وبصره بالمجهول من خفايا الكون .

    وبرومثيوس تمثله الأساطير اليونانية ـ بأنه على قسط وافر من الفطنة دعت رب الأرباب « زيوس » إلى الغيرة منه ، متخيلاً أنه يتعالم عليه .

    أما « زيوس » رب الأرباب ،  فهو أشبه ما يكون بالشيطان فى الديانات الشرقية القديمة ، فهو فى جميع صوره شهوانى نهم أكول  شديد الطمع  لا يبالي بشىء غير استبقاء سطوته وموارد خزانته .

      وتمتلئ الأساطير اليونانية ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ بأخبار الشجار بين زيوس رب الأرباب وقرينته « هيرا» التى كانت تفاجئه فى خياناته الغرامية مع نساء الآلهة ومع بنى الإنسان ، وربما عنفته لأنه ينحرف نحو « الشذوذ الجنسى » ويهبط إلى الأرض ليختطف منها الغلام الجميل « جانيميد » ويجعله ساقيًا في الملأ الأعلى يدير الرحيق عليه وعلى ندمائه المقربين .

      وتتمثل صورة « زيوس »  هذا فى أساطيره الكثيرة ـ كنموذجا للقوة الجسدية ، وللحقد على من يظهرون الذكاء ويحرمونه لذات المخدع والخوان .

      وبين رومثيوس وزيوس ، دارت محاورات تمثلها « لوسيان الساموسى » أديب الأساطير المشهور ، واختار الأستاذ العقاد إحداها ليعرضها بما تضمنته من ألفاظ وعبارات تدين « زيوس » بالتجنى ومخالفة الناموس .

    ويقال فى الأساطير إن « هيرقليس » جاء فقتل النسر المسلط على « برومثيوس » من
« زيوس » ، وأنقد
« برومثيوس » من عذابه ، وكانت لذلك قصة يوم انقسم الأرباب والبشر، وذَبَحَ  « برومثيوس »  ثورًا عظيمًا ليطعـم منـه ، وسولـت لـه نفسه أن يخدع « زيوس » وأن يضع اللحم الطيب أمام غيره ، ويضع أمامه هو عظمًا مكسوًّا بالسخم ، فلم يلبث « زيوس »  أن صاح به غاضبًا : « يا ابن يا بيتس » ما أشد إجحافك فى قسمتك !

    وعندما أراد « زيوس » تأنيبه ـ لم ينس برومثيوس مكره ، واحتال فى رده عليه ، ولكن زيوس لم يخف عليه قصده ،  وأضمر في قلبه شرًّا لأبناء الفناء من البشر .

     إلاَّ أن  برومثيوس النسيب الحسيب غلبه دهاؤه ، واختلس قبسًا من النار فى جوف قصبته ، فأحس زيوس مرسل الصواعق فى العلا بلذعة فى فؤاده حين لمح النار بين أبناء البشر .

      وقد روى « هزيود» قصة المرأة التى خلقها « زيوس » شرًّا للبشر ، وجعل اجتنابها شرًّا ـ فى الوقت نفسه ـ يورث العقم ،  وجاء « برومثيوس » فأغرى الإنسان بالنسل مستهينًا بالفتنة حذرًا من شر الفناء  .

     وقد استهوت الشعراء هذه الأسطورة ـ « مأساة البشر» بين القوة الإلهية التى تحبهم ، والقوة الكبرى التى تغضبهم وتلقيهم بين شرين من الفتنة والفناء . وإذ تناول القصة  قديمًا شاعر من أكبر شعراء اليونان ، فإن شاعرًا من أكبر شعراء الإنجليز هو « إسكايلاس » قد تناولها فى العصر الحديث ، ونظم  فيها قصيدة عرفت  بعنوان » برومثيوس الطليق » ، أو
« برومثيوس طليقًا
« .

     ولا ينهى الأستاذ العقاد هذا الفصل قبل أن ينوه إلى أن استفاضته فى تقييم حضارة اليونان ، استفاضة واجبه فى كتاب يوضع عن « الشيطان » ، وأن القعود عن ذلك يخل بأمانة الكاتب الشرقى ، بل يخل بأمانتين لا بأمانة واحدة ، إذ يجب عليه تمحيص الحقائق ، ودفع الأباطيل التى تتجاوز الخطأ إلى الإضرار بالنفوس .

    ويبدو أن اليونان المتأخرين ـ فيما قال ـ قد استعاروا من الشرق ـ قبل عصر المسيحية ـ فكرة أخرى عن أصل الخطيئة أو أصل الخطايا الشيطانية ، فردوها إلى الكبرياء .

   ولكن الأستاذ العقاد لا يحب أن يدع ذلك دون تعقيب يفرق بين الكبرياء على الإله الكامل العظيم ، فذلك كفران لا شك فيه ، وخطيئة كبرى . أما الكبرياء على صاحب سلطان يستسلم لشهواته ويصيب صواعق السماء فى سبيل أكله من اللحم والشحم ، فليس فيه معنى الخطيئة فى كثير ولا قليل !   

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *