فى مدينة العـقاد ( 756 ) إبليس (8)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

الشيطان
بين النهرين

 

      لأسباب ثقافية ، لا جغرافية ، يمد الأستاذ العقاد الحضارات المعنية فى بلاد بين النهرين ، إلى الحضارتين البابلية والفارسية . وقد حظيت هذه البلاد بعناية أكبر فى الدراسات بين المؤرخين وعلماء المقارنة بين الأديان ، لأسباب يتعلق بعضها بتعدد السلالات فيها :الآريون ، والساميون والطورانيون .

      أما السومريون ، فسواء صح أنهم قدموا من الصين  أو لم يصح ، فإنه قد صح أن « زرادشت » نبى المجوسية عاش بين الطورانيين والمغول حقبة من الزمن ، ووفَّق بين عبادتهم وعبادة الثنوية المجوسية بعض التوفيق .

     وقد صاحب هذا التعدد فى السلالة ــ تعدد آخر فى الأحوال الاجتماعية ، بين مجتمعات المدن     ، والرعاة ، والزراعة الدائمة ، والزراعة المتنقلة ـ وبيـن من يبنون الهياكل ومن لا يعرفون البناء ، وبين من يعبدون النار والكواكب ومن يلصقون عبادتهم بالأرض ومعالمها وعناصر الطبيعة التى تهيمن على أرزاقهم ومساعيهم .

      ولتأثير العقائد الدينية بين النهرين شرقًا إلى أرض فارس ، وغربًا إلى الأقطار العربية أو السامية التى كانت لها اتصال بالدولة القائمة فى بابل وآشور ، اتسع تناول الأستاذ العقاد فى هذا الفصل إلى الحضارات التى تأثرت بحضارة وعقائد بين النهرين .

    الرجوع إلى بابل يقتضيه فهم التطور فى معنى «الخطيئة» ـ من معانى الذنب أو العيب .

    والرجوع إلى « فارس » يقتضيه فهم التطور فى مذهب « الثنوية » ـ أو النزاع بين سلطان الخير وسلطان الشر .

     والصبغة التى تغلب على حضارة بابل هى صبغة التنجيم والأبراج الفلكية . وقد عرف البابليون رصد الكواكب من أقدم الأزمنة ، وعلقوا مصائر الناس وأقدارهم بسعودها ونحوسها ، ونشأ عندهم علم الفلك بحسابه وتقديره ، مصاحبًا لعلم التنجيم بخرافاته وأوهامه.

     وحول هذا دارت قصص المناظرة بين الأرض والنجوم ، وربة الأرض« تيامات » تتحدى السماء فتستعين  بالطوافين على حكم أقطارها ، وبرج لبابل يقيمه المتمردون من البشر ليرتفعوا إلى مناجزة الأرباب فى سماواتها.

     ولم يكن للبابلى من هم فى سره وعلانيته ـ إلاَّ أن يستطلع إرادة النجوم ، ليوافق هواها ويخرج من  عداد « المنحوسين » إلى عداد السعداء .

      ولم يكن أمر النجوم يتعلق  بالحسن والقبيح ، أو الصلاح والفساد ، أو الاستقامة والإجرام . وإنما هو أمر الرضى أو الغضب من كواكب السماء بما يوافق المسطور المكتوب .

      وهذا المعنى يختلف عن معنى الذنب ، ومعنى العيب ، ومعنى الرذيلة ، ومعنى الجريمة.

     فالذنب إساءة قد يرتكبها الإنسان على من مثله أو من هو دونه ، وقد يصاب بها من سواه .

     والعيب نقص يعترى الإنسان من عجزه أو جهله ، فهو مسألة كفاية وقصور.

    والرذيلة إسفاف يتورع عنه صاحب الفضيلة أو يروض نفسه على الكمال ، فهى مسألة كرامة وابتذال .

     والجريمة عدوان على الغير بغير حق ، يتعارف الناس على إنكاره ومجازاة فاعله .

     أما الخلاف الذى يسمى « خطيئة » ـ فيكفى فيه أن يعمل الإنسان ما لا يريده الإله ، ولو لم يكن من ورائه ضرر يعلمه . فالتحريم يتعلق بمشيئة الله ، حتى وإن خفيت وجوه الحكمة فيها ، فالله  وحده الذى يملك التحريم دون حكمة ظاهرة للناس ، لأنه أدرى من العباد .

    هذه هى الحصة التى ساهمت بها العقيدة البابلية .

    أما الحصة التي ساهمت بها عقيدة فارس فى تاريخ الأديان ، وتاريخ قوة الشر على التخصيص ، فهى « الثنوية » أو تنازع النور والظلام على سيادة الكون.

    والثنوية عريقة الأصل قديمة الجذور فى البقاع الفارسية وما حولها ، وتسربت وتغلغلت فى أفكار بعض الكتابيين ممن ينتمون إلى اليهودية أو الإسلام ، ويقيمون منذ أربعين قرنًا على أطراف البلاد التى كانت تحيط بها حضارة ما بين النهرين .

      وينقل إلينا الأستاذ العقاد ما رواه الدكتور يوسف وولف صاحب الرحلة إلى بخارى (من سنة 1843 إلى سنة 1845 ) ، من أن شيخًا يهوديًّا يُدعى « ناثان » زاره ومعه درويش من « كشفار » ؛ فسأله الدرويش ممتحنًا : من خلق النار والماء ؟ . فلما أجابه الدكتور يوسف بأنه هو الله ، صاح به : صه ! لا شىء من ذاك . لأن النار والماء عنصران مهلكان ، ولا ينبغى لله أن يخلق المهلكات . وأضاف له : عليك أن تعلم أن الكون يحكمه إلهان : أحدهما : إله الملأ الأعلى وهو رب الخير . والآخر هو إله العالم الأسفل الذى يحجب عنه خلائق الخير ، ويشن حربًا لا تزال حتى اليوم حامية الأوار . فمن عمل خيرًا من الناس فهم خُدام الإله الأعلى ، ومن عمل شرًّا منهم فهم خُدام الإله الأسفل .

    ويضيف الأستاذ العقاد أنه أغرب من بقاء هذه العقيدة فى موطن الثنوية ، أن شعبةً منها بقيت إلى القرن العشرين تتستر باسم « الماسونية » ، تستقبل المصلين فى باريس حيث يقربون القرابين إلى الشيطان ويكررون التلاوات التى كانت ترتل فى معابد النحل الشيطانية قبل ثلاثة قرون ، وتدور خلاصتها على الإيمان بسيادة الشيطان على الدنيا ، واعتبار المادة خلقة شيطانية يتنزه عنها إله السماء .

    وقد تطور الإيمان بالثنوية مع الزمن ، وبعد أن كانت القسمة متساوية فى الوجود بين النور والظلام ، ثم  ترقى المؤمنون بهذه بالثنوية فآمنوا بإله واحد يسمونه « زوران » ، وأنه وعد أكبر ولديه بالسيادة على الدنيا ، ولكن إله الظلام احتال على الخروج لعلمه بمسالك الظلمة فصار له السلطان رغم وعد أبيه ، ولم يستطع الأب « زوران » إلاَّ أن يعد ابنه إله النور بالغلبة بعد تسعة آلاف من السنين الكونية .

   وهذان الإلهان هما : « أورمزد » أو الروح الطيب ، و« أهرمان » الروح الخبيث.  

   ثم جاءت « المانوية » فانتشرت فى بقاع الدولة الرومانية بعد ظهور المسيحية ، ونافستها أشد المنافسة فى آسيا الصغرى وبلاد الروم من آسيا وأوروبا ، فامتلأت معاهد الدينيين بالكلام عن الشيطان ، واستصوب أناس من آباء الكنيسة أن ينتزعوا شعائر عباد النور فجعلوا يوم الأحد مخصصًا لعبادة الشمس ، ومن هنا بقى اسم (  Sunday) بالإنجليزية .

    وقبل المسيحية حَوَّلَ اليونان الوثنيون أصول العقيدة الثنوية ، فحولوا أسطورة « زوران » الذى ولد له « أورمزد » ـ إلى أسطورة » كرونوس « الذى ولد له « زيوس » رب الأرباب وسيد الملأ الأعلى .

     ومن هذه الخواطر التى شاعت فى الوعى الدينى ـ خاطران يتخللان كتب الديانة « الزرادشتية » ، أولهما أن الشر « شك »، وأنه نبت فى الكون حين تساءل « زوران » ما جدوى هذا التكوين ، أما الخاطر الآخر فهو أن الشر « كذب » ، كما جاء فى قصة « يامه » التى تضمنت أقدم الخواطر عن السقوط والخلاص .

   وهذان الخاطران : الشر ـ « شك » ، و الشر « كذب » ، يتخللان الكتب الزرادشتية من أقدم العصور ، ولم يدخلا العقائد التالية من طريق الفكر والتأمل ، بل دخلاها من طريق الأشكال والرموز التى يلم بها الحس قبل التفكير فيها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *