فى مدينة العـقاد ( 755 ) إبليس (7)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

 

الشيطان
فى الحضارة الهندية

 

 

     يرجح بعض علماء المصريات ، أن الديانة الهندية القديمة دخلتها مقتبسات كثيرة من ديانة المصريين القدماء ، ويرى برستيد وإليوت وسميث ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن معظم هذه المقتبسات من كتاب الموتى ، ومن شعائر تقديس الملوك .

     وورد ذكر مصر فى كتب « البورنا » التى جمع فيها الهنود الأقدمون قصصى الآلهة .

    ولكن الأستاذ العقاد يرى أن طبيعة الديانة الهندية تضع حدودًا لما تبلغه مثل هذه المقتبسات . لأن الديانتين الهندية والمصرية القديمة على اختلاف كاختلاف النقيضين أو الطرفين المتقابلين ، فيما يتعلق بالعقائد الأساسية الثلاثة التى تدور عليها كل ملة : وجود الإنسان ، ونظام المجتمع ، ووجود العالم .

   وفى هذه المسائل الثلاث تقف الديانتان القديمتان على طرفين متقابلين .

    الديانة المصرية القديمة تصون جسد الإنسان وتستبقيه إلى الحياة الأبدية ، بينما الديانة الهندية تنكر الجسد وتعتنق تناسخ الأرواح من جسد إلى جسد .

    والديانة المصرية القديمة تعتبر دوام الأسرة من آيات النعمة الإلهية ، وعلى نقيض ذلك ديانة الهند التى تعلق النجاة والإفلات من دولاب الحياة ، والموت والرجوع إلى « النيرفانا »
( حالة الانطفاء الكامل نتيجة التأمل الطويل العميق ، والانفصال بالذهن والجسد عن العالم الخارجى )
عن طريق « الموكشا » .. أى اجتناب العلاقة الجنسية حتى بين الأزواج .

    وتؤمن الديانة المصرية القديمة بأن « العالم المحسوس » حق وخير وتجعله مثالاً لعالم الخلود ، بينما الديانة الهندية القديمة تحسبه شرًّا محضًا وباطلاً موصومًا ، ومنبعًا لجميع الشرور !

     لا تشابه إذن بين الديانتين ، بل هو اختلاف خصوصًا فى مسألة الشر وقوة الشر وعلاقة هذه القوة ـ الشريرة ـ بنواميس الكون الخالدة ، ما يتمثل منها فى صورة « الذات » الإلهية ، وما يتمثل فى القاموس الأعظم أو « الكارما » الذى ليس له ذات .

     وعلى ذلك فإن الديانة الهندية تحير علماء المقارنة بين الأديان حيرة شديدة فى أمر
« الشخصية » التى تقابل شخصية الشيطان أو قوة الشر العالمية .

   ولذلك جذور وأسباب تطورت مع الزمن ، حتى رسخ فى الأذهان من أحاديث القتال بين الهنود والآريين ـ أن الآريين أعداء البشر ، وأنهم يتربصون بالناس ، ومع تطاول الزمن ، انقسموا فى أساطير العامة إلى أقسام ثلاثة : أحدها يشبه أرواح « الياكشا » البريئة التى تهيم على وجهها ، والثانى يشبه العصاة المتمردين من الجن ويعادى الإنسان أشد العداء . أما القسم الثالث فيلوذ بالمقابل والصوامع ويحالف الموت والخراب .      

    ولا ينسب إلى هؤلاء « الراكشا » ( كائنات أسطورية اشتهرت فى منطقة « سيرلانكا » والثقافة البوذية ، تعرف بأنها تخادع الأطفال ولكن لا تقتلهم ، ولديها أظافر سامة ، وتتغذى على القاذورات ، وتقتل بطريقة وحشية مخادعة وغامضة ) لا ينسب إليهم عمل من أعمال الإغراء والإغواء ، ولكنهم قد يغتصبون النساء عنوة فى الطرق المقفرة ، ويستبيحون الأذى للكيد أو للعبث والدعابة.  ويقولون إن رئيس هؤلاء « الراكشا » المسمى « رفانا » هو الذي اختطف الحسناء « سيتا » زوجة البطل  »رام » ، كما جـاء فــى ملاحم « الريجفيدا » ، ( كتاب هندوسى مقدس عن علم التنجيم وأسراره ـ قيل إنه يرجع إلى ما قبـل سنة 1500 ق . م ) وحملها هذا ال « رفانا » إلى جزيرة « سرنديب » ، ولم يستطع زوجها « رام » أن يهتدي إليها ويحررها من أسرها إلاَّ بمعونة القرد « هنومان«  ( قائد القردة فى الشعر الملحمى الهندى ) .

    فالشياطين في صورة « الراكشا » هم « الشر » الذى أبغضه الآريون ، وصوروه لأبنائهم في الصورة منفرة .

*            *          *

      واشتمل الثالوث الأبدى فى الديانة البرهمية ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ على ثلاثة أرباب : « براهما » الإله في صورة الخالق .

     و« فشنو » الإله فى صورة الحافظ .

     و« شيفا » الإله فى صورة الهادم .

والهادم هنا هو الذى يهدم الباطل لينصف الحق .

    وليس تعدد صور الإله وتناقض صفاتها فى هذه العقائد القديمة هو كل ما يحير العلماء ، بل هناك أيضًا ما يسند إلى « الشخصية » الربانية الواحدة من أدوار ، استدعت فى تلك العقائد أن تضاف « شاكتى » ، أى قرينة الإله الأنثوية ، لتنوب عنه فى « شئون الدار » ، وما يتفرع عنها والتى لا يتفرغ لها قرينها للعمل فى الآفاق العلوية .

وهناك طائفة »  الخناقين « وعاشت جماعة الخناقين ستة قرون تتعبد للإله « كالى » بخنق ضحاياها والتقرب بأسلابهم .

     أما الإله « فشنو » فيحافظ على الأحياء ليتكاثر عددهم ، ويعجز الإله « شيفا » عن ملاحقته في مهمة الإبادة والإفناء .

     وهذه وغيرها ، هى فى جملتها مرجع تحير علماء الأديان كلما أرادوا حصر الشر فى
« شخصية شيطانية » .

      ولكنهم يثوبون إلى عقيدة واحدة مشتركة بين النحل والمذاهب ، تعتنق ـ لتصوير الشر فى صورته الكونية ــ أن العالم المحسوس شر وباطل ، وأن كل ما يربط الإنسان به شر وباطل مثله .

     وليس فى الديانة الهندية وفروعها المتشعبة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ شخصية واحدة تشبه شخصية الشيطان ـ عدا ما يسمونه « المارا » من الموت ، ويقولون إنه يسيطر على السماء السادسة وما دونها من العوالم الأرضية .

      « المارا » هو الذي قيل فى قصة « بوذا » إنه وسوس إليه ليشغله عن النسك .

    فالشر الكونى هو الشر النفسى الذي يخامر الضمير ، ويزين له ترك الحكمة والإقبال على الأوهام والأباطيل .

    أما « الشيطان الكونى » فهو مرادف للفتنة وكل ما يغرى النفس بمطامع الحياة !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *