فى مدينة العـقاد ( 754 ) إبليس (6)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

 

الشيطان
فى الحضارة المصرية

 

     الحضارة المصرية من أقدم الحضارات التى تمثلت فيها قوة الشر فى صورة شخصية مميزة باسمها وملامحها .

     ولم يكن العالم الآخر عندهم مؤجلا ًلما بعد خراب العالم الدنيوى ، ولكنه كان عندهم امتدادًا له ، وكانوا يتخيلون عالمين دائمين متزامنين . أحدهما ظاهر يسكنه أحياؤهم ، والآخر باطن يسكنه موتاهم . فإذا ما حدث الخراب فى الأرض ، فإنما هو عارض يجنيه الظلم على الحاكمين والمحكومين ، وبزوال العارض تعود البلاد إلى سيرتها الأولى .

      وفى كل أمة من الأمم القديمة الكبرى ــ يتناقل الكهان والشعب فيما يبدى الأستاذ العقاد ــ يتناقلون قصة عن نقمة الإله الأكبر على الجنس البشرى ، وندمه على خلقهم ، وتفكيره فى إبادتهم عقابًا لهم على ذنوبهم.  وهى ذنوب تختلف باختلاف الأمم والكهانات ، ما بين التقصير فى بذل الضحايا ، أو الغيرة « الإلهية » من المعرفة البشرية ، أو الفساد والاشتغال باللذات .

      وتجرى هذه القصة في الديانة المصرية القديمة على نحو أن الحاكم يغضب على المحكومين لأنهم ثاروا عليه وهموا بخلعه استضعافًا له .

     ويذكر الأستاذ العقاد أن هذه القصة كتبت على جدران الحجرة الخاصة في هيكل سيتى الأول  الذى بنى نحو سنة (١٣٥٠ ق . م ) ، وخلاصتها أن الإله الأكبر « رع » علم بتآمر على عصيانه ، فعقد مجلس الآلهة للمشاورة ، فاستقر الرأى على إبادة العصاة ، فتعقبهم جنوده وأثخنوا فيهم القتل ولاذ الناجون بالجبال ، فحزن « رع » لهربهم ، ولكن ختام القصة كان على صورة أقرب إلى الرفق والمسامحة ، حيث تابوا ، وأمر الإله الأكبر ـ أمر إله الحكمة « توت » أن يلقنهم أسرار الحكمة وتعاويذ الوقاية من الآفات ومنها الهوام والثعابين ، وأن يهدي من هو أهل للهداية .

      وتروى قصة النقمة على روايات شتى يكثر فيها التناقض على ما هو مألوف فى الأساطير الأولى ، وتراوحت بين الشدة والصرامة والبطش ، وبين الرفق والمراجعة .

     وكانت فكرة المصريين الأقدمين عن قوة الشر أو قوة  « الإله الشرير » ـ موروثة من أقدم العهود مليئة  بالاختلاف والتناقض تبعًا للحواشى والإضافات .

     ومهما يكن من خلاف في العقائد المصرية القديمة ، فالقاعدة المطردة فيها أنها تشتمل على شىء يتعلق بكيان الأسرة ، وشىء يتعلق بكيان الدولة ، وشىء يقوم على الشريعة والعرف الاجتماعى ، أو النظام بلغة اليوم .

     فقوة الشر تمثلت فى الأخ الشرير والحاكم المغتصب، والمفسد ، وهى صورة الإله « ست » إله الظلام في عقيدة الشعب .

     وكان قد مضى زمان كان فيه « ست » معدودًا من آلهة الحق والاستقامة ، أما الإله الموسوم بالشر ـ فكان « أبيب » الذى كانوا يرسمونه في صورة حية ملتوية . وقد خُصص الجزء التاسع والثلاثون من كتاب الموتى لوصف القتال بين إله الشمس وإله الليل ، أو إله النور وإله الظلام .

     وربما كانت القضية كلها في أوائلها المنسية ــ فيما يسوق الأستاذ العقاد ـ قضية الصراع على العرش بين الأخين : أوزيريس وست ، وصار لكل منهما حزب يناصره ، وأسفر الصراع عن تمثيل المهزوم فى صورة « أبيب » إله الظلام ، وتمثيل أخيه المنتصر في صورة « رع » إله النور.

     وفى ذلك تعددت الروايات ، والتى استقرت منها أن الأخّين أوزيريس وست تنافسا، فخدع   »ست » أخاه « أوزيريس » وصنع له صندوقًا أغراه بالنزول فيه ليقيسه على جسده ، ثم مزقه وألقى أشلاءه فى النيل ، فجمعتها زوجته « إيزيس » بمعونة الساحر « توت » ، وبوأته. عرش المغرب ، ومن ثم فهو رمز للشمس فى حالة الغروب ، وهذه الصورة قريبة مما أخذ به الأستاذ توفيق الحكيم فى مسرحية « إيزيس » ( 1955 ) .

     ويشير الأستاذ العقاد إلى رواية أخرى لعلها الأرجح والأقدم فى التاريخ ، على أن جوهر الروايات واحد فى التقابل بين صفات أوزيريس ملك الخلود وسيد الباقيات وأمير الأرباب ، وصفات « ست » التى على النقيض من ذلك .

     ومن آثار الصبغة الحكومية فيما يرى الأستاذ العقاد ـ أن الأرباب أوكلت قضية الأخّين
« أوزيريس » و« ست » إلى أمينها الخاص « توت » الذى يحفظ حكمتها ويؤتمن على قضاياها
ـ فتبين له صدق « أوزيريس » وكذب « ست » ، فخرج « ست » المدين بالذنب والشر من زمرة السماء .

     وكان الفراعنة يلجأون إلى السحر لمغالية الأرواح الخفية ، واستعان رمسيس الثانى بأصحاب التمائم والتعاويذ لمداواة أهل بيته .

    ويقول « برنارد بروماج » « Bernard Bromage » صاحب كتاب صناعات أو فنون السحر فى مصر القديمة : « إن السحرة المصريين كانوا على علم تام بلزوم الفضيلة والطهارة للساحر الطبيب » .

    ويمكن أن يقال على الجملة ـ فى رأى الأستاذ العقاد ـ إن الشر فى العالم كله ، كان فى عرف الحضارة المصرية القديمة « جريمة اجتماعية وطنية » غير مشروعة ، ولم يكن عنصرًا أصيلاً فى تركيب الدنيا أو تركيب الإنسان ، وأنه بلغ من تطور هذه العقيدة فى فكرهم الدينى أن « اختاتون » استغنى عن الجحيم ، وأنكر دعوى « أوزيريس » فى السيطرة على عالم العقاب بعد الموت .

     أما المؤرخ « بلوتارك » فيذكر فى كتابه « إيزيس وأوزيريس » أن « ست » كان يلقب « بيبون » ، ومعناه العقبة المعترضة فى طريق الخير لتحويله إلى الشر ، ويقول فى الفصل الثامن والعشرين ـ فيما ينقل إلينا الأستـاذ العقـاد ـ أن الأساطيـر تروى أن اليهـود أبنـاء « ست » من أتان ، ويعلق المؤرخ « أوليفيه بيرجارد ـ Beauregard » ـ فى كتابه « الأرباب المصرية  » أن هذه الأسطورة هى أصل الخرافة التى شاعت فى تقديس اليهود في هيكلهم لرأس الحمار .

     ولا يستبعد الأستاذ العقاد أن يكون لكلمة « ست » وكلمة « ستان » ـ مدلولات مشتركة أو تشابه لفظى ، يورى باقتباس اليونان والعبريين من المصريين فى تصوير الشخصيات العلوية والسفلية ، وأنه ليس من الأناة أن نجزم ببطلان التشابه فى اللفظ بين الفرعونية والعبرية ، أو ببطلان التشابه بين مدلول اسم « ست » عند المصريين ومدلول اسم الشيطان « ديابولوس » « Diabolos » باليونانية ، فكلاهما يفيد معنى الاعتراض والدخول بين شيئين للتعويق والإفساد .

     ويختم الأستاذ « بيرجارد » كتابه عن الأرباب المصرية ، بقوله إن أعظم العقول اليونانية كانت تهاجر إلى مصر لتدرس المعرفة المصرية في طيبة ومنف وعين شمس وسايس .

     وهناك نصوص متقاربة بين بعض المزامير ـ بالعهد القديم ـ وبعض أناشيد « أتون » ، وأن أيوب عليه السلام كان يسكن إلى جانب مصر ويتحدث عن أهراماتها التى تبنى لتخليد الموتى ، ويكافح الشيطان الذى يوسوس له ويغريه بالكفران والعصيان ، وأقل من هذه الملابسات حقيقٌ بالتريث عنده ، وترك الباب مفتوحًا لما تأتى به الكشوف وتسفر عنه المقارنات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *