فى مدينة العـقاد ( 750 ) إبليس (2)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

قبل الشيطان

    أنت أمام فصل بالغ العمق عريض الدلالة ، يحمل إليك ما لا يحمله ويطوف به ويتعمق فيه هذا التعمق ، سوى الأستاذ عباس محمود العقاد . فعلى علمه الموسوعى العريض ، تراه يطوف في بحثه عن حال الإنسان قبل الشيطان ، بطائفة من أكبر العلماء في النحل التقليدية وفى العقائد البدائية ، وفى الدراسات الإنسانية ، وبمراجع الرحالة الذين رحلوا وجالوا ودرسوا ، وبطبيب مشهور حاصل على نوبل عام 1953 أنفق زمنًا طويلاً بين قبائل أفريقيا الوسطى وكتب مذكراته حصيلة مشاهداته فى حياة الناس الذين عاش بينهم وتعامل معهم وداواهم ، ولم يهمل الأستاذ العقاد حصاد دخول الأرواح والمحظورات فى حساب السياسة ، ولم يترك المجلات العلمية المتخصصة وما تتضمنه في هذا الباب .

    أنت إذن أمام رحلة يجب أن تتهيأ لها حتى لا يتسرب إليك الظن أن العقاد « صعب »

أو« عويص » . المسألة أنه واسع المعرفة ، جاد مخلص عميق في بحثه ، يبذل قصارى إمكانياته ليقدم لك وجبة تحتاج لمن يريد الإلمام بها إلى قراءة موصولة وبحث متنوع لعشرات السنين .

   ماذا كان قبل الشيطان ، الذى استهل كتابه بأن معرفة الإنسان به كانت « فاتحة خير » له وللإنسانية ، ومرتقى صحيح ومأمون للتمييز بين الخير والشر !

   قبل معرفة الشيطان ، وشيوع صورته ، كانت « بديهة » الإنسان تملأ العالم بأشتات لا تُحصى من الأرواح والأطياف .

    لم يكن الإنسان يقسمها إلى ذات خير وذات شر .

    وإنما كانت الأرواح عنده إما مصادقة أو معادية . نافعة أو ضارة . سهلة أو عصية .. لا فارق بينها إلاَّ في مقدار الصلاحية والعداوة ، أو فى درجة الفائدة والأذى .

    أما طبيعة الخير والشر ، فقد جاءت بعد مراحل كثيرة فى طريق الإيمان بالأرواح .

    والاختلاف بعيد بين الشر والضرر !

    فالشر لا يصدر منه خيرٌ بإرادته ، أما الضرر فقد يصيب أناسًا ولا يصيب آخرين ، وقد يأتى من عمل ولا يأتى من غيره ، وقد يكون المعتبر ضررًا لشخص ـ نافعًا لغيره .

    قد يصح تشبيه عالم الأرواح عنده بعالَم الغاب .

    فالغاب فيها النمر المفترس والثعبان السام ، وفيها البلبل المغرد والعصفور الصادح . ومن حيواناتها ما هو مأمون ، ومنها ما هو مستوحش عقور .

    وهكذا كان عالم الأرواح فى الهمجية الأولى . عالم فائدة وضرر ، أو عالم هوادة واستعصاء ، أو عالم صداقة وعداوة .

    ويستشهد الأستاذ العقاد على أصالة الإيمان بالأرواح فى بديهة الإنسان ، ما دلت عليه دراسة كل سلالة بشرية فى القارات المتقاربة ، وفى الأمريكتين المنعزلتين منذ دهور ، وفى الجزر الأسترالية البعيدة والمتباعدة ، وفى حوض الأمازون بأمريكا الجنوبية ، وفى أفريقيا الجنوبية أو الشرقية .

    دلت هذه الدراسات على أن الإيمان بالأرواح « بديهة » متأصلة فى الإنسان منذ كان .

   كان هذا الشيوع أصيلاً ، ولم يكن من دجل السحرة والكهان .

   بل وليس بين روح وروح فى الأقطار المتنائية ـ ذلك الاختلاف الذي يعترى الألوان والأشكال من فعل الجو والتربة والماء والهواء .

    ظاهرة جديرة بالتنبه لها والتوقف عندها فى علم المقارنة بين الأديان ، حيث تفضى بنا إلى الوقوف على « سليقة دينية » شديدة التقارب .

    وما كتبه الرحالون والبحاثون عن القبائل الفطرية فى القارات الخمس ، دليل على أن « وحدة » السليقة الدينية ـ أقرب جدًا من وحدة القريحة والخيال .

    الدين أعمق فى كيان الإنسان من الخيال .

    والمشابهات التى لوحظت تدل على أصالة هذه « البديهة » فى نفس الإنسان .

   وهنا يجمع لنا الأستاذ العقاد بين ما أورده « باريندر ـ Parrinder » فى كتابه عن النِّحَل التقليدية فى أفريقيا ، وما قاله « شارل واجلى « Wagley فى كتابه « بلدة الأمازون » من أمريكا الجنوبية ، وما تكلم به « مالنوسكي « Malinowsky ، علاَّمة الدراسات الإنسانية عن ما وجده بالجزر الأسترالية , وما جاء بمراجع الرحالة التى يعتمد عليها في فهم العقائد البدائية والتى يكتبها علماء عاشوا بين هذه القبائل واختلطوا بها في جميع أطوارها ، وما أورده بمذكراته الطبيب المشهور » ألبيرت شويتزر » الحاصل على جائزة نوبل سنة 1953 ، نتاج مشاهدته وملاحظاته بين القبائل التى عاش بينها زمنًا يداويها في أفريقيا الوسطى ، وما لاحظه وعاناه من حذر هذه القبائل من مقاربة أجساد الموتى ، واختلاف المحظورات فيما بينهم . فمنها ما يحرم على إنسان واحد ولا يحرم على غيره حسبما جاءه الوحى من أبيه أو كاهنه ، ومنها ما يعم القبيلة جميعًا ولا يُستثنى منه أحد ، وما يعتقده المنذرون من عقائد بعيدة ، رسخت فى أخلادهم أن الروح الذى أطلقه من عقال المحظور أقوى من الروح الذى حظره عليهم .

    ويذكر لنا كيف دخلت هذه الأرواح والمحظورات فى حساب السياسة كما دخلت فى حساب العلم ، بما لاحظته وقررته اللجنة البرلمانية التي أوفدتها الحكومة إلى أفريقيا الشرقية لتحقيق أسباب الثورة فيها ، وما طويت عليه « الدراسات النفسية » التي أبانت ما تنطوى عليه عبادات جماعة « الماو ماو » ـ وما عقب به الأستاذ « ماكس جلكمان « Gluckman على هذا التقرير من دراسة فَصَّلَ فيها مجمل أصول هذه العقيدة بينهم ، وكيف تؤمن هذه القبائل بإله عظيم ، خلق العالم ثم تَنَحّى عنه ، وما سمعه على نهر الزمبيـزى الأعلـى فى قبيلة « الباروتس ـ Barotse » من أن الإله تخلى عن الأرض ولاذ بالسماء حيرة من كيد الناس وأفانين حيلهم ، وكيف حلت المراسم والشعائر بين القبائل الأفريقية ـ محل الصلوات المكتوبة والفرائض المسجلة ، لانعدام الكتابة لديهم ، وإيمانهم بأن كل علاقة لها شعائرها ومراسمها وكل حركة تتحركها القبيلة طلبًا للصيد أو تلمسًا للمرعى أو الإغارة على عدوها .

     كل ما يصيب الإنسان ـ هو من كيد روح أو دسيسة ساحر أو من عالم « وراء الطبيعة » على الإجمال .

     يفهم الأفريقى من قوة الفيل أنه يستطيع قتل الإنسان لأنه أقوى منه , ولكنهم يبحثون لماذا كان هذا الإنسان بالذات هو المقتول وليس غيره ؟ ألاَ يعنى هذا ـ فى معتقدهم ـ أن هناك سرًا يرجع إلى تدمير ساحر أو نقمة روح غاضبة أو مشيئة كائن مما وراء الطبيعة ؟

   وهكذا تلتقى عندهم الأسباب الطبيعية المعروفة ـ بالأسباب المجهولة ومما وراء الطبيعة ، ولا تعليل عندهم لمصيبة تنزل بهم إلاَّ أن تكون من كراهية عدو يستعين بالسحرة ويستمد قدرة على النكاية ـ من الأرواح .

   ولم يتفق الرحالون والباحثون على إرجاع هذا الاعتقاد فى الأرواح إلى مصدر واحد مفهوم ، أو تفسير متفق عليه .

    منهم من يرجع بعقيدة الأرواح إلى الأطياف التى يراها الهمجى فى منامه وأحلامه  .

    ومنهم من يرجع بهذه العقيدة إلى طبيعة الاستحياء أى إلى الطبيعة التى تخيل إلى الهمجى أن الأشياء ذات حياة مثله فيعاملها كما يعامل الأحياء .

     ومنهم من يرجع بعقيدة الأرواح إلى عبادة الأسلاف بعد الموت  .

    ولكن علماء الأجناس والعادات البشرية كادوا أن يجمعوا على إيمان القبائل الفطرية بإله واحد أكبر من هذه الأرواح المتعددة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *