فى مدينة العـقاد ( 749 ) إبليس ( 1 )

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      صدر هذا الكتاب عن « إبليس » ،فى سنة 1958 ،  وأصدرته دار الهلال فى كتاب الهلال ـ العدد 89 فى أغسطس 1958 ـ وأعادت نشره بذات السلسلة بالعدد 192 فى مارس 1967 ، ونشرته نهضة مصر سنة 2006 ، وأعيد نشره بالمجلد /12 من المجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد ـ بيروت ، وأصدرت طبعته الثالثة سنة 2009/2010 .

     والكتاب كما قالت دار الهلال فى تقديمه ، يتناول تاريخ الشيطان ليستخرج منه تاريخ الأخلاق الإنسانية كما تمثلت فى أطوار الحياة والمجتمعات البشرية ، وقدمه الأستاذ العقاد ـ فيما قدمه به ، بأن معرفة الإنسان بالشيطان كانت « فاتحة خير » للإنسانية ، وبأن الكلمة التى تروع السامع ، هى الحقيقة فى بساطتها الصادقة التى لا مجاز فى لفظها ولا فى معناها . وحول ذلك أدار الأستاذ العقاد كتابه الرائع الفريد فى المكتبة العربية .

      كانت معرفة الإنسان للشيطان « فاتحة التمييز » بين الخير والشر ، ولم يكن بينهما تمييز قبل أن يُعْرف الشيطان بصفاته وأعماله وضروب قدرته وخفايا مقاصده ونياته .

    كان ظلام ؛ لا تمييز فيه بين طيب وخبيث ، ولا بين حسن وقبيح . فلما ميّز الإنسان النور ـ عرف الظلام ، وعندما استطاع إدراك الصباح استطاع أن يعارضه بالليل وبالمساء .

     كانت الفاتحة الأولى يوم خلق الله آدم من تراب ، وعلّمه الأسماء كلها وما لم يعلم ، وأنبأ  الملائكة بأسمائهم ، فلما أمرهم الله بالسجود ـ انصياعًا لأمره سبحانه ، وليس تعبدًا لآدم ـ سجدوا جميعًا إلاَّ إبليس أبى واستكبر ، وكانت ذريعته أنه خيرٌ منه ، خلقه الله من نار ، وخلق آدم من طين « قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ » (الأعراف 12 )  .

      كانت الفاتحـة الأولى أن القداسة ليست أن تكون من نور أو من نار ، وإنما أن تكون « نورًا » وأنت من تراب . أن تسبح بحمده سبحانه وتقدسه ، وأنت قادر على الفساد والعدوان والطغيان . الخير المحض لا يصدر عنه إلاَّ خير ، ومن ثم لا امتحان فيه ، ولكن المخلوق المفطور على الخير والشر ، يحسب له الخير لأنه كان قادرًا على الشر …

     ليست القداسة لمجرد أن تكون سليل نور أو نار ، ولا تنحسر القداسة لمجرد أن تكون سليل تراب ، إنما القداسة قوامها علم وعمل ، أساسها « الاختيار » ـ مع القدرة ـ بين الخير والشر .

     لقد وُجِدَ النوع البشرى بصفاته وأخلاقه ليحياها ويعيش حقائقها ، لا لمجرد أن يكتبها سطورًا على صفحات . 

     الحى ينطبع على صفاته وأخلاقه ، وما يميز به ويختاره بين الخير والشر .

     قد سمعنا عن الصفات الإلهية ، وعن الصفات الملكية أى الملائكية ، وعن الصفات الشيطانية ، وعن الصفات الإنسانية ، وعن الصفات البهيمية ، وعن الصفات السبعية ..

      يسمع السامع عن الصفات الإلهية أنها أعلى الصفات ، فيفهم منها أنه يرتفع بالاتجاه إليها والرجاء فيها إلى أعلى عليين .

      ويسمع السامع الصفات الملكية أو صفات الملائكية ، فيفهم لأول وهلة أنها الطيبة والطهارة والحب والسلامة ، ويقابلها بالحنين إليها .

     ويسمع الصفات الإنسانية ، فيعرف منها ما يناهض البهيمية والسبعية ، ويقابل الإلهية والملكية أى الملائكية ، ويعرف فى الوقت نفسه أنه قابل للطموح والسمو ، وقابل للهبوط والانحدار . قال عنه ربه تعالى : « لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ » (التين 4 ، 5 ) ، وقال  : « وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا » ( الشمس 7 ـ 10 ) . ويعرف من ذلك وغيره أنه مفطور على الخير والشر ، قابل لكليهما ، وأن مناط مسئوليته هو الاختيار المريد بينهما .

     ولكن من يسمع الصفات الشيطانية ، يفهم لأول وهلة أن الموقف منها موقف احتراس وحذر ، وإنْ لم يخل أحيانًا من تطلع فى أحيان ومن إعجاب فى أحيان أخرى ، ولا يضطر إلى مراجعة اللغة أو مراجعة الحكمة ليفهم ما يُحَذّره من الشيطان . فالكلمة بذاتها تحمل المعنى محسوسًا ومعقولاً ومدروسًا .

        بلا قواميس ، يستطيع الإنسان أن يفهم أن خالق الكون بإعطائه حياته قد كفل له كل ما يؤهله للمسئولية التى يحمل أمانتها التى أشفقت منها السموات والأرض والجبال ، وأبين أن يحملنها وحملها الإنسان « إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ » ( الأحزاب 72 ) .

    قد تلقى النوع الإنسانى وجوده من خالقه ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ تلقى حياة تجيش فى ضمائره وفيما حوله من الحقائق الحية ، كائنًا ما كانت أصداؤها فى عالم الحروف والرموز والإشارات والكلمات الطلاسم  .

     لمن شاء أن يؤمن ، ولمن شاء أن يكفر .

      بضميره يقف خاشعًا مستعيذًا بالله من الشيطان ، ومن الغرور الذى يورده موارده ، وليرجع فى أمان هذه « المعوذة » إلى تاريخ الشيطان ليعلم منه  تاريخ الأخلاق الحية وتاريخ الإنسانية الخالدة  .

     من واقع هذا ، طفق الأستاذ العقاد يتناول فى هذا الكتاب « تاريخ الشيطان » ليستخرج منه تاريخ الأخلاق الإنسانية كما تشخصت فى ثنايا الحياة ، وليبين بعد ذلك ما يوافقها أو
ما يلاقفها من مصطلحات القواميس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *