فى مدينة العـقاد ( 748 ) جحا الضاحك المضحك   (20)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الأدب الجحوى بعد النهضة الشرقية

 

     بعد النهضة الشرقية الحديثة ، ازدهر الأدب الجحوى ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ وظهرت المؤلفات عنه على مناهج شتى .. اقتباس بعض نوادره لأغراض تعليمية ، واستخدام الشخصية للنقد الاجتماعى ، وعناية بعضها بالإحصاء التاريخى والاستقصاء والأسانيد .

     وقد نبهت هذه النهضة الشرقية أجانب يقيمون فى الشرق ، ونبهت الشرقيين ، إلى استكشاف طبائع جحا وملامحه وألوان شعوره وتفكيره ، وما بدا من الفكاهة الشعبية التى تدور حول شخصيته الساذجة ونوادره وسخرياته ، وقام اثنان بترجمة نوادره إلى الفرنسية باسم « كتاب جحا الساذج » ، هما ألبرت عداه وألبرت جوسيبونيشى الذى كان من موظفى القصر الملكى وممن حضروا بعض الدروس الإسلامية فى الأزهر الشريف ، وكانت له ـ لمولده بالقسطنطينية 1892 ـ معرفة بالتركية فضلاً عن العربية ، أما صاحبه ألبرت عداه ـ فمن مواليد القاهرة سنة 1893 ، وتعلم فى مدارسها وحضر بعض الدراسات الأزهرية ، وقدم الكتاب إلى قراء الفرنسية الأستاذ أوكتاف ميربو أثناء الحرب العالمية الأولى .

     وما كاد هذا الكتاب يظهر بالفرنسية ، حتى تُرجم إلى اللغات الأوروبية ، وأقبل عليه المثقفون وعامة القراء الذين راقت لهم فكاهاته ، وظهرت ترجمة بالإنجليزية باسم « جحا الأحمق ـ Goha the fool » ، أو جحا الغر ، وآخر ما ظهر من الكتب الأوروبية عن جحا ـ فيما كتبه الأستاذ العقاد سنة 1956 ـ كتاب « مغامرات بخارى » ـ ألفه الكاتب الروسى
« ليونيد سولفييف » سنة 1938 ، وترجمه إلى الإنجليزية فى نفس السنة « تاتيانا شيبونينا » ، واتخذ الكتاب من شخصية جحا داعيةً جوّالاً يطوف فى البلاد الآسيوية هربًا من ظلم الحكام وكراهةً للمقام ، ويتخذ من النظم الحكومية والضرائب موضوعًا للتشهير بنوادره وفكاهاته وسخرياته .

     ويخال الأستاذ العقاد أن الغربيين أقبلوا على نوادر جحا لأنها وافقت نماذج عندهم من الشخصيات المضحكة التى يألفونها ويتناقلون حكاياتها ، وربما كانت نوادر جحا نفسه قد تسربت إلى الغرب بالتنقل والرواية الشفوية والإطلاع على الأصول العربية بلغتها أو مترجمة ، ولا يستبعد أن تكون هذه النوادر قد انتقلت من المغرب إلى أبناء جزيرة مالطة الذين يتحدثون لغة ممتزجة بالعربية وشاعت لديهم شخصية باسم « جهان » ـ وهو تصحيف يسير لاسم « جحا » ، بينما اشتهر فى اللغة الإيطالية باسم « جوكا » ، إلاَّ أن هذا ليس تصحيفًا للاسم ، وإنما لما تعنيه كلمة « جوك ـ Joke » فى اللغات الأوروبية وفى اللاتينية والسكسونية . ومنها كلمة « الجوكندا » لصورة « موناليزا » الخالدة بمعنى « المبتسمة » من عمل الفنان الكبير « ليوناردو دافنشى » .

     وظهرت فى الغرب شخصيات تشبه شخصية « جحا » ، وتسرب المسمى إلى عنوان بعض الصحف السيارة ، ويرجح الأستاذ العقاد أن البلياتشو مصحف من اسم « بنشيوس بيلات » Pontius Pilate ـ أو « بيلاطس » الذى وقعت فى عهد ولايته محاكمة السيد المسيح عليه السلام . فقد كانت هذه « الشخصية » محور السخرية والإهانة فى المسرحية الدينية التى كانت تمثل محاكمة السيد المسيح وتعرض أعداءه فى صورة رمزية يقابلها النظارة بالسخرية والاستهزاء . وأيًّا كان مصدر « البنش » أو « البلياتشو » ـ فإنه باق إلى اليوم يصغى الناس إلى فكاهاته المتجددة ، دون أن يعنيهم أن يتتبعوها إلى جذرها القديم .

 

خلاصة تاريخية

 

   يقر الأستاذ العقاد أن هذه الخلاصة التاريخية ، أقل النواحى ثبوتًا وأهمية فى هذا المبحث.

   ومما أورده أننا نستطيع أن نتقبل « أبا الغصن جحا » كما ذكره الميدانى فى أمثاله كأنه شخصية تاريخية لا غرابة فى وجودها .

   ويلحق بأبى الغصن أناس على شاكلته لم يشتهروا مثل شهرته ، فأطلق الناس عليهم اسمه .

   ويتمثل الأستاذ العقاد بما شاهده فى حياته من أمثال للشهرة الحقيقية والشهرة المخترعة ، وتطورها من مبدأ إلى مصير بعد عشرين أو ثلاثين سنة . وكان ذلك من آثار الصحافة الأسبوعية التى اعتمدت على « القفش » و« القفشات » ، ومما يذكره أنه رأى الأديب « إبراهيم الدباغ » الذى صار لقبه علمًا على النهم والإكثار من الطعام ، فلم يلحظ عليه شيئًا من ذلك ، وإنما هى اختراع من باب الفكاهة من محترفى الأدب ، على سبيل الوقيعة وما نحوها ، فسرى الاختراع بالقفشات لتصير كلمة « الدبغ » مقابلة للنهم ، وكلمة « الدباغ » تعنى فى اللغة الدارجة الشخص النهم الشره الذى يكثر من أكل الطعام .

   

الخوجة نصر الدين التركى

 

     أما جحا التركى المسمى بالخوجة نصر الدين التركى ، فقد نسبت إليه نوادر تملأ مئات الصفحات . ويذكر الأستاذ العقاد أن بين يديه كتاب بالتركية مطبوع فى الآستانة سنة 1328 هـ ، من مائتين وخمس وخمسين صفحة ، ومع ذلك لا يستوعب كل ما نسب إلى جحا أو الخوجة التركى من نوادر الحكمة أو نوادر الغفلة والبلاهة .

     ويؤكد الأستاذ العقاد أن كثيرًا من هذه النوادر وضعت بالتركية ولم تنقل عن العربية ، ومما يَسْتدل به ـ ما فيها من « جناس » يوجد فى الألفاظ التركية ولا يوجد فى ألفاظ لغة أخرى . ويرجح لديه أن الخوجة نصر الدين شخصية تركية غير منقولة ـ أنه نشأ فى آسيا الصغرى حيث تنتشر جماعات الدراويش الدينيين من قبل الإسلام ، والذين شاع فيهم أن يخلطوا خلط المجاذيب ويفتوا فتوى العلماء والفقهاء ، وأن يلوذوا بمظاهر التخليط أحيانًا
طلبًا للسلامة .

     والخوجة نصر الدين مشهور بكراماته وكرامة ضريحة فى مقبرة « آق شهر » ، يذكر الناس أضاحيكه فيضحكون لها ولكنهم يحيلونها إلى حالات أهل الجذب .

     ولكن الشك الأكبر ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ هو النوادر التى قُرِنَتْ بـ « تيمورلنك » أثناء غزواته فى بلاد الروم . فالمشهور أن نصر الدين توفى سنة 673 أو سنة 683 هـ ـ قبل مولد تيمورلنك بأكثر من نصف قرن ، مما يستحيل معه اجتماعهما ، إلاَّ أن يكون الرواة قد أخطأوا فى تاريخ مولد نصر الدين وتاريخ وفاته .

     ومن الواجب ـ فيما يرى ـ التسليم بأن عددًا كبيرًا من النوادر التركية ـ موضوع ، لاستحالة أن تُنسب مع كثرتها وامتداد ازمنتها إلى شخص واحد . ومع ذلك يبقى لظاهرة الوضع أنها تحمل دلالة على أزمنتها وبيئاتها قد تكون أصح من وقائع السجلات والأرقام .

 

 

 

     وفى نهاية المطاف ، يودع الأستاذ العقاد ـ يودع جحا وجحوياته ، وهو يحمد للضاحك المضحك ، أنه أعار اسمه ـ عامدًا أو غير عامد ـ لباب من أبواب الدراسة النفسائية والاجتماعية لم يكن ميسورًا أن تتهيأ أسبابها بغيره ، وأنه لن يبخس « جحا » شيئًا من الحمد ـ أن يكون على وفاق مع التاريخ ، أو على افتراق مع كل تاريخ .  ( انتهى )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *