فى مدينة العـقاد ( 747 ) جحا الضاحك المضحك   (19)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

موازين غير محكمة

 

يعقب الأستاذ العقاد على النوادر الستين التى أوردها , بأنها تمثل أقسام النوادر التى تنسب إلى جحا ، وقد تنسب إلى غيره ، ومنها ما ينبئ عن حكمة ظاهرة ، وما ينبئ عن بلاهة ظاهرة ، وما ينبئ عن بلاهة مستترة بين الحكمة والبلاهة.

     وتندر بينها النادرة التى لم تنسب إلى مصادر متعددة من الحكماء والحمقى والمحمقين ، وبعضها يروى عن أناس في الغرب الحديث كالنادرة التى تروى عن الشجار بين المرأتين ، فإن الأولى تروى عن نابليون وطبيبه ، والثانية تروى عن جولد سميث الكاتب الإنجليزى المشهور الذى قيل فيه إنه أحمق الناس إلا حين يتناول القلم فهو إذن من أحكم الناس ..

     وليس من الصعب ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ تعليل تعدد النوادر والفكاهات وتشابه بعضها ما بين الشرق وأوروبا ـ ليس من الصعب تعليل ذلك بتوارد الخواطر , وقد يعلل ذلك باطلاع الغربيين على النوادر التى ترجمت من  العربية فى القرون الوسطى ، وقد يكون المتشابه من تلك النوادر إضافة جديدة فى الكتب المطبوعة دون أن يتداولها الناس قبل ذلك  على الألسنة : ( وقد ظهرت عدة كتب تقارن بين الأوابد والأمثال ومنها الفكاهية فى كل من اللغات العربية والإنجليزية والفرنسة ) .

     إلاَّ أن النوادر التى لا شك فى مصدرها الشرقى كثيرة بين النوادر المنسوبة إلى جحا وأمثاله ، وهى على الجملة نوادر الزوجتين ( فلا تعدد للزوجات في الغرب ) والقضاة الدينيين والضيافات التقليدية ونوادر الصيام والصلاة والفتاوى وما هو من قبيلها.

     ولكن المصدر الشرقى ليس مصدرًا واحدًا , وإنما هو متعدد بين البقاع والأمصار والأقطار . فما هو المعيار الصحيح لإسناد هذه النوادر ؟

      فى النسبة التاريخية التى تستهدى بما وقع فى كل قرن , بعض المعايير النافعة , سيما حين تحور الرواية لقوائم القرن الذى نقلت إليه . ولكن لا سبيل إلى نسبتها إلى زمن معين من الأزمنة على وجه اليقين .

     ومعيار الخصائص القومية , هو بدوره  « تقريبى »  لا ينتهى إلى الحسم , ولا يسلم من اللبس والظن .

      لقد سلف بيان أن طبيعة الفرس تغلب عليها الصوفية والمحاولة الدبلوماسية ، وأن طبيعة الترك يغلب عليها تحصيل الحاصل مبالغة فى الواقع ، وأن طبيعة العرب يغلب عليها الخيال والقياس المنطقى ، وتبالغ فى الفكاهة فتجنح بها إلى الوهم والقياس مع الفارق أو الفوارق المتعددة .

      أفلا يعقل فيما يطرح الأستاذ العقاد ـ أن العبقرية التي أخرجت القول بتسخير الجسم والأعضاء لحالات الروح ,  تخرج مع الفكاهة ــ والمحاولة الدبلوماسية ــ قصة الأوزة التي يخلق لها الخوف رِجْلَيْن ، والرجل الذى يخلق له الخوف أربعة أرجل إذا جرى وراءه من يهدده بالضرب بالعصا ؟

    أجل , جائز أو راجح ، ولكن هذا فيما يقول هو غاية ما هناك .

    كذلك يعقل أن القياس مع الفارق يخرج ـ فيما يقول ـ  نادرة الرجل الذى باع نصف داره ليشترى النصف الآخر .

    والحماقة أدخلت في روع صاحبها أن« السحابة » علامة صالحة على موضع الحفرة الذى اختاره لتخبئة ما يريد .

    هذه فيما يقول ـ  معايير تقريبية ، لا يأخذ بها ولا يهملها ، لأن إهمالها إهمال لدراسة واسعة من دراسات العصر قابلة للمزيد .

    لقد راعى الأستاذ العقاد ـ فيما أورد ـ أن يختار طائفة من أشهر النوادر المعروفة بين العامة والخاصة فى البلاد العربية ، وصارت عَلَمًا على « جحا » دون غيره .

     ويضيف أنه لعل النوادر الساذجة التى بلغت ثلاثة أرباع المجموعة التى بلغت قرابة ستمائة نادرة ، قد وعتها المطبعة التركية إلاَّ القليل الذى تناثر من صدر الإسلام إلى أيام الدولة العباسية بين كتب الأدب والفكاهة.. وفيها من الأسلوب الأدبى والذوق الفنى ما ليس في معظم النوادر الشائعة ، إلاَّ أن معظم هذه النوادر أقرب إلى النفاية التى تتناقلها العجائز لتسلية الأطفال ومن فى مثل مداركهم من السذاجة .

 

جحا في الأدب

 

     يرى الأستاذ العقاد أن جملة النوادر المنسوبة إلى جحا على أنواعها ـ موزعة بين زمرة من

من الحمقى والمحمقين . « بدأت الكتابة عنهم من القرن الأول للهجرة واشتهر منهم فى الأدب العربي رهط يبلغ العشرة ويزيد عليها ، منهم هبنقة الأحمق ، وباقل العيى ، وأشعب الطفيلى، وبنان الموسوس ، وأبو العبر المتحذلق ومزبد المدينى ، والحموى الشاعر، وغيرهم من المحتالين بالحماقة أو التطفيل أو الخلاعة ، وليس فيهم من الخلة الجحوية إلا اتساع كلمة الغفلة للاشتقاق بين غافل ومتغفل ومتغافل ، على بُعْد ما بين هذه المشتقات من المعانى والألوان.

     « وهؤلاء الذين وردت أخبارهم في كتب الأدب أرفع فى طبقة « الذوق الفنى » من جحا في جملة نوادره وأخباره ، فليس فيهم من يسف بأضاحيكه إلى الصبيانية أو السذاجة السخيفة كما يلاحظ على الكثير من نوادر جحا التى وصلت إلينا مضافًا إليها نوادر المجموعة التركية، وهي محيطة بما وضعه الترك وما وضعه غيرهم من عامة الشعوب الشرقية الإسلامية، وبعضه مما وضعه غير المسلمين من جيران الترك العثمانيين ــ  كالأرمن ــ ونسبوه إلى جحاهم المسمى عندهم باسم « أرتين »  .

  »    وعلة هذه النقاوة فيما أثبته المؤلفون المتأدبون أنهم أسقطوا البارد الغث من النوادر، ولم يثبتوا إلاَّ ما فيه معنى وله طعم فى مذاق الأديب والفنان ، فلا تجد ــ مثلا ــ  فى تلك النوادر ما تحسبه من تأليف الصبيان أو أشباه الصبيان من السذج والجهلاء، وما فيه دليل على الغفلة أو التغافل فهو دليل عليهما بحق فى عرف الذكي اللبيب ، وليس مما يكثر فيه الخلط ليحسب من الغفلة أو التغافل فى عرف الصغار والأغرار» .

    على أن النوادر التى رويت , جمعت بين الغث والسمين , ولو اجتمع منها ستمائة نادرة من الطراز السمين , لكانت ذخيرة لا تعدلها ذخيرة في آداب العالم .

    يقول الأستاذ العقاد :

     « والكتب التي جمعت هذه النوادر المنتقاة تعد من أمهات كتب الأدب إلى أيام الدولة العباسية ، ثم عَرَضَ لها الإسفاف والابتذال فيما بعد ذلك من جراء الشيوع والذيوع أو من جراء الهزال والاضمحلال في دور المهانة والجمود.

     « وأشهر هذه الكتب نثر الدرر للآبى ، والأغانى لأبى الفرج الأصفهانى ، والمحاضرات لأبي القاسم الراغب الأصفهانى ، والبيان والتبيين  للجاحظ ، وعيون الأخبار لابن قتيبة ، وأخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزى ، والعقد الفريد لابن عبد ربه ، وفوات الوفيات لابن شاكر، وذيل زهر الآداب للحصرى ، والمستطرف للأبشيهى  ، وثمرات الأوراق لابن حجة الحموى، وحلبة الكميت للنواجى . ثم يلى هذه الطبقة كتاب الفاشوش فى حكم قره قراقوش لابن مماتى ، وكتاب مضحك العبوس لابن سودون المجنون، ويستطرد الإسفاف بعد ذلك إلى القرن الرابع عشر للهجرة ، وفيه ظهرت مجاميع النوادر المنسوبة إلى جحا منقولة عن أخلاط الألسن في كل أمة تناقلت هذا الاسم من الأمم الشرقية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *