فى مدينة العـقاد ( 746 ) جحا الضاحك المضحك (18)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

نوادر له ولغيره

       

     مما لا ريب فيه قطعًا ـ أن رجلاً واحدًا لا يمكن أن تصدر عنه جميع هذه الحكايات !

     بل العجيب أن تكون كل هذه الحكايات من رجل واحد .

    ولكن لا عجب فى توارد الحكايات وتلاقيها من أبعد المصادر . ومهما يخطر على البال من غرابة ذلك ، فإن الواقع يزيل أى غرابة ويثبت أن هذا الفيض من الحكايات وما هو أغرب منه ـ يتلاقى من أقاصى أوروبا إلى أفريقيا إلى أقاصى القارة الآسيوية على امتدادها .

     ويتمثل الأستاذ العقاد بقصة  تروى عن جحا وعن أبى نواس وعن رابليه الفرنسى ، وفحواها أن تاجرًا بخيلا رأى طارقًا فقيرًا يتبلع بالخبز القفار على رائحة شوائه أو طبيخه فطالبه بثمن هذه الرائحة ، وحار الفقير فى أمره حتى أنقذه حلال المشكلات بحل من قبيل دعواه ، لأنه رن أمامه قطعًا من الدراهم وقال له خذ رنين هذه الدراهم  ثمنًا لرائحة شوائك!

    ومن الذي روى هذه النادرة عن أبي نواس؟   

    لم يروها كتاب بغداد أو دمشق أو القاهرة ، بل رواها الكاتب الإنجليزي انجرام    Ingram فى كتابه عن أبى نواس وأساطيره كما سمعها باللغة السواحلية واللغة العربية فى أفريقيا الشرقية ، وهذه ترجمة القصة كما نقلها الأستاذ العقاد فى كتابه عن أبى نواس . قال انجرام ما ترجمته بحرفه على وجه التقريب:  

   « إن تاجرًا ذبح معزة ومر به مسكين فجلس إلى جانب القدر لعله يستسيغ الخبز القفار باستنشاق رائحتها ، ثم لقى التاجر فقال له : إنك أيها السيد قد أحسنت الى أمس إذ منحتنى رائحة معزتك فاصطنعت بها هنيئًا. فأخذ التاجر بتلابيبه وهو يقول له : الآن علمت كيف ضاعت النكهة من لحمها . فقد اختلستها أنت إذن ولا ندرى . وساقه إلى هارون الرشيد ـ وقد كان شديد المحاباة للتجار ـ فحكم على المسكين بتغريمه اثنتى عشرة روبية يأخذها التاجر ثمنًا لنكهة ذبيحته ، وخرج المسكين يبكى لأنه لا يملك فلسًا من هذه الغرامة ، فوجد أبا نواس فى الطريق وعطف عليه أبو نواس حيث علم منه سبب بكائه ، ووعده أن يساعده ، ثم أعطاه اثنتى عشرة روبية وأوصاه أن يغدو بها إلى السلطان ولا يؤديها له حتى يحضر هو مجلسه . ثم كان الغد فجاء إلى المجلس ورأى المسكين يعد الدراهم فأخذها منه ورنَّها على الأرض ، وسأل التاجر: أسمعت رنينها ؟ قال: نعم . ومد يده إلى الدراهم يريد أن يقبضها ، فرده أبو نواس وصاح به : حسبك . لقد وصل إليك الثمن رنينًا برائحة . فإذا كان المسكين قد شبع من رائحة طعامك فأنت حرى أن تملأ يدك من رنين دراهمه ، وترك الروبيات للمسكين ، وانصرف إلى داره     «   

      هذه نادرة تروى فى سواحل أفريقيا الشرقية ، ويتحدثون فيها بالروبيات وهم يذكرون نقود بغداد ، وهذه النادرة بشىء  من التصرف فيها تروى فى قصص جحا وتروى فى قصص رابليه .

    ومن النوادر ـ فيما يضيف الأستاذ العقاد ـ ما يتوارد فى خرافات أيسوب وحكايات ألف ليلة وليلة ، كحكاية الحمار والثور مع صاحب الزرع التى جاءت فى أوائل ألف ليلة حيث يوردها للقارئ بعبارتها ، ليعقب بأن هذه القصة جاءت متصلة بغيرها فى ألف ليلة وليلة لمناسبة تَجُرّ وراءها مناسبةً أخرى على الأسلوب المطرد فى تسلسل الروايات فى ألف ليلة ، ولكن هذه القصة جاءت منفردة فى خرافات أيسوب ، وعلى اختلاف فى المغزى ، وفحواه أن من نَصَب فخًّا لغيره جَرَّ البلاء على نفسه .

   فليس ببعيد أن تسمع القصة فى بغداد ، ثم تسمعها فى شمال أوروبا أو فى بلاد جنوب أفريقيا مع أسمار قوافل الرحالين والسياح .

    ومن ثم لا يُنْتظر بعد هذه الفوضى ـ البت فى نسبة النوادر كلها أو بعضها إلى صاحبها ، لأن صاحبها غير واحد .

    ولكن الأستاذ العقاد قَسَّمَ هذه النوادر إلى أقسامها الواضحة من حيث الدلالة أو من حيث
« الدور» الذى تؤديه . ومنها ما يمثل الذكاء والحكمة ، وما يمثل البلاهة والحماقة ، أو ما يمثل التباله (إدعاء البلاهة ) والتحامق (إدعاء الحماقة) أو التغابى ، ولا يقع اللبس كثيرًا ـ فيما يرى ـ بين هذه الأقسام أو بين هذه الأدوار .

  

ستون نادره

 

    اختار الأستاذ العقاد ستين نادرة ، موزعة على ثلاثة من هذه الأقسام أو كل دور من هذه الأدوار ، لكل منها عشرين نادرة ، فبدأ بنوادر الذكاء والحكمة ، وثنى بنوادر الحماقة والبلاهة وقفى بنوادر التحامق والتباله ، ليتبعها ببعض القرائن التى تساعد على نسبتها إلى أقوامها مع التحفظ والتوسع فى هذه النسبة الجزافية ، أما نسبة النوادر إلى الآحاد من أصحاب إسم
« جحا » أو غيره ، فإنه يعرض لقرائنها الممكنة على قدر المستطاع .

   أما نصوص هذه النوادر الشيقة المتنوعة ، فلا أملك إلاَّ أن أحيل القارئ الكريم على
الكتاب .
 

Email :rattia2@hotmail.com

                                                                                       www. ragai2009.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *