فى مدينة العـقاد ( 745 ) جحا الضاحك المضحك ( 17 )

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

حجا ونوادره

 

       من الثابت المؤكد أن « جحا » لم يكن شخصًا واحدًا ، ومن المحال أن يكون كذلك ، لأن النوادر التى تنسب إلى جحا لا تصدر ويستحيل أن تصدر من شخص واحد .

      بعض هذه النوادر يتحدث عن أناس فى صدر الإسلام  .

     وبعضها يتحدث عن أناس فى عصر المنصور العباسى ، أو عصر تيمورلنك أو ما بعده  من العصور والأجيال .

     كذلك لاختلاف الشخصيات التى تصورها النوادر فى مجموعها .

     فمنها ما يكون التغفيل فيه من جحا  .

     ومنها ما يكون جحا صاحب الذكاء النادر والطبع الساخر الذى يكشف عن الغفلة ويتندر على البلاهة .

    ومن هذه الشخصيات من تتمثل فيه الحماقة اللاصقة به .

    ومنها من يتكلف الحماقة ويصطنعها للاستهزاء بمن يدعون الذكاء والحكمة .

    كذلك يستحيل أن تصدر هذه النوادر عن شخصية واحدة لاختلاف وتباعد البيئات التى تروى عنها ؛ فى الأمكنة وفى العادات ، وفى الأخلاق .

     بعض هذه النوادر يروى عن فارس ، وغيرها عن بغداد ، أو الحجاز ، أو آسيا الصغرى ، أو غير ذلك من البلدان الشرقية . .

    قيل عن جحا إنه نصر الدين التركى .

    وقيل عنه إنه أبو الغصن العربى الفزارى .

      وقيل عنه إنه من النوكى ( الحمقى ) الهاكعين ( الساكنين أو المطمئنين ) .

      كما قيل عنه إنه من أصحاب الحالات والكرامات من المستترين بالولاية وهم يجهرون بالهذر والبلاهة  .

    إذن فالشخصية ليست واحدة ، ولا يوجد جحا واحد .

     نقرأ عن جحا فى كتاب واحد ، فنفهم فيما يقول الأستاذ العقاد إنه شخص موجود أو قابل للوجود ، لأنه متناسق الأخبار فى تفكيره على غرار واحد ، ثم نقرأ عنه فى كتاب آخر فنرى صاحب الكتاب مضطرًّا لتسويغ النوادر المتناقضة بإسنادها إلى المختلفين والمنتحلين ، أو إلى مفترين أرادوا بجحا النكاية والتشهير .

     « يقول الميدانى صاحب كتاب الأمثال : « هو رجل من فزارة كان يُكنى أبا الغصن ، ومن حمقه أن عيسى بن موسى الهاشمى مرّ به وهو يحفر بظهر الكوفة موضعًا فقال له : ما لك يا أبا الغصن ؟ قال : إنى قد دفنت بهذه الصحراء دراهم ولست أهتدى إلى مكانها . فقال عيسى : كان ينبغى أن تجعل عليها علامة . قال : قد فعلت . قال :  ماذا ؟ قال : سحابة فى السماء كانت تظللها ولست أرى العلامة …

      « ومن حمقه أيضًا أنه خرج من منزله يومًا بغلس ( ظلمة آخر الليل ) فعثر فى دهليز منزله بقتيل فضجر به وجره إلى بئر منزله فألقاه فيها . غير أن أباه أخرجه وغيبه وخنق كبشًا حتى قتله وألقاه فى البئر . ثم إن أهل القتيل طافوا فى سكة الكوفة يبحثون عنه فتلقاهم جحا فقال : فى دارنا رجل مقتول ، فانظروا أهو صاحبكم ؟ فعدلوا إلى منزله وأنزلوه فى البئر ، فلما رأى الكبش ناداهم وقال : يا هؤلاء ! هل كان لصاحبكم قرن ؟ فضحكوا ومروا .

    « ومن حمقه أن أبا مسلم صاحب الدولة لما ورد الكوفة قال لمن حوله أيكم يعرف جحا فيدعوه إلىّ . فقال يقطين : أنا …  ودعاه ، فلما دخل لم يكن فى المجلس غير أبى مسلم  ويقطين ، فقال : يا يقطين ! أيكما أبو مسلم ؟

     « ثم يقول الميدانى بعد ذلك : « وجحا اسم لا ينصرف لأنه معدول عن جاح مثل عمر من عامر . يقال جحا يجحو جحوا إذا رمى ، ويقال : حيا الله جحولك أى وجهك »

*          *          *

      ويورد  الأستاذ العقاد أن حجا هنا كما وصفه الميدانى ( وهو أبو الفضل أحمد بن محمد الميدانى صاحب كتاب جامع الأمثال ) ـ شخصية مفهومة متناسقة ، ولعل الخبر الذى جاء    عن أبيه من خلال الكلام عنه ـ يفسر بالوراثة ما فيه من خلة الحماقة . فجحا لم يصنع شيئًا فى هذه النوادر يزيد الشبهة فى أمر القتيل بنقله من الدهليز إلى البئر ، وأباه لم يصنع شيئًا يزيل الشبهة بوضع الكبش فى مكانه ، وكان لكل من الأب والابن مندوحة فيما يصنع لولا الحماقة فى كل منهما .

     ولكنك تقرأ عن جحا فى غير كتاب الأمثال ـ فلا ترى كتابًا واحدًا يستغنى عن شىء من التوفيق والتأويل ، لغرابة الأخبار التى ترامت عنه وتلقفها الرواة فحاروا كيف يضعونها فى موضعها بين أخبارهم ومن تروى عنهم .

     ومن الإطالة بغير مبرر ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ الإطالة فى الإحاطة بما كُتب عن جحا  بكل ما وصف به فى كتب الأدب العربى ، فالمحصل منه يتناقض ولا يستقر على حال أو قرار .

     ويجتزئ الأستاذ العقاد بما كتبه ابن الجوزى فى أخبار الحمقى والمغفلين ، إذ أورد أن جحا قد « روى عنه ما يدل على فطنة وذكاء إلاَّ أن الغالب عليه التغفيل ، وأنه قيل إن من كان يعاديه وضع له حكايات . وعن مكى بن إبراهيم : رأيت جحا رجلاً كيِّسًا ظريفًا ، وهذا الذى يقال عنه مكذوب عليه ، وكان له جيران يمازحهم ويمازحونه فوضعوا عليه » .

      وهكذا يسمع عن الرجل ما يدل على الشىء ونقيضه .

       أما بعد ظهور جحا التركى ، الملقب بخوجة نصر الدين ، فإن الحكايات عنه تنسب إلى رجل واحد ، بينما هى مما يمكن أن ينسب إلى عشرة متباعدين فى الزمان والمكان ، وفى العقل والمزاح . بل وبعض هذه الحكايات تتأخر إلى ما بعد اختراع ساعات الجيب ، وبعضها تتقدم إلى أيام الصحابة والتابعين  .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *