فى مدينة العـقاد ( 744 ) جحا الضاحك المضحك   (16) 

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

فوارق الأمم فى الفكاهة

       لا يعنى الأستاذ العقاد بهذا الفصل ـ الفوارق بين جميع الأمم فى الفكاهة ، وإنما هو يعنى على التحديد : الأمة العربية ، والأمة الفارسية ، والأمة التركية .

   ومرجع هذا الاختيار ، أن شخصية جحا ونوادره وحكاياته ، لها نظائر فى كل من هذه الأمم الثلاث ، التى تمثلت كل منها به ، فصار يقال جحا العربى ، وجحا الفارسى ، وجحا التركى .

     وكادت الأمة التركية أن تستأثر به فى معظم نوادره حتى قيل بأن جحا المشهور اليوم إنما هو جحا جديد من مخلوقات البديهة التركية ، تنقطع الصلة بينه وبين جحا القديم الذى عرفه العرب فى أمثالهم ورجع به التاريخ إلى صدر الإسلام ، ولا يجمع بين هذا وذاك سوى التسمية باسم واحد .

    هناك إذن روايات أو حكايات تنسب إلى « جحا » فى كل من اللغة العربية ، واللغة الفارسية ، واللغة التركية .

   لذلك استهدف الأستاذ العقاد بهذا الفصل ، تمييز الفوارق فى خصائص الفكاهة بين كل من السليقة العربية ، والسليقة الفارسية ، والسليقة التركية . وهى فوارق يقر بأنها تؤخذ على سبيل الترجيح والتقريب ، لا على سبيل الجزم واليقين ، وغايتها الاستدلال بها على حقيقة نسبة الحكايات والنوادر إلى جحا العربى أو الفارسى أو التركى ، وهو بدوره استدلال على سبيل الترجيح ما دام تشخيص الفوارق بين السلائق (جمع سليقة) الثلاث قائم على الترجيح .

    بهذه السليقة ، توصف الأمة العربية بأنها أمة شعرية منطقية .

    وتوصف الأمة الفارسية بأنها أمة صوفيه دبلوماسية .

    وتوصف الأمة التركية ـ بأنها أمة عملية واقعية .

   ولكن أين تنتهى المبالغة « الكاريكاتورية » بالخيال (الشعر)، والمنطق ؟

   يجيب الأستاذ العقاد بأنها تنتهى ـ فى السليقة فى العربية ـ إلى الوهم والقياس مع الفارق أو الفوارق الكثيرة .

   ولكن هذه المبالغة الكاريكاتورية قد تنتهى فى السليقة الصوفية (الفارسية) إلى المحال والمحاولة .

   وقد تنتهى فى السليقة العملية الواقعية (التركية) إلى تحصيل الحاصل والحذلقة .

   ويذكر الأستاذ العقاد أن الشاعر التركى المستعرب : « ابن سودون اليشبغاوى » من أدباء القرن التاسع بمصر والشام ، وقد اعطى مثلاً للسليقة التركية ربما لا نظير له بين شعراء العرب والفرس والترك ، ولا شعراء الأمم العربية الذين لم يتجاوزوا التحليل والاستنتاج ، بينما
« سودون » أعطى المثل العملى ـ على غير مقصد ـ بمنظوماته الشعرية التى رسم فيها
« الكاريكاتير » بيده وألفاظه ومعانيها .

   واكتفى الأستاذ العقاد بإيراد قصيدتين من شعره ، أراد بهما الإضحاك بمحاكاة أدعياء المعرفة الذين لا يزيدون على تعريف المعروف .

   إحدى هاتين القصيدتين على قافية الألف المقصورة ، بدايتها :      

         إذا ما الفتى فى الناس بالعقل قد سما

                                 تيقن أن الأرض من فوقها السما

         وأن السما من تحتها الأرض لم تزل

                               لتعلم أنى من ذوى العلم والحجى

و القصيدة الأخرى البائية التى يقول فى بدايتها :

         عجب عجب عجب عجب

                             بقر تمشى ولها ذنب

   إلى آخر القصيدتين اللتين أوردهما الأستاذ العقاد بنصيهما ، ولا يتسع لنا المجال هنا
لإيرادهما.

*          *          *

     وقبل أن ينتقل إلى الفصل التالى الذى يتناول ويعرض فيه جحا ونوادره ، ينوه إلى أنه سوف يمر بنا من النوادر المنسوبة إلى جحا أنها من قبيل تحصيل الحاصل ، ويحسب بعضها من نوادر الوهم أو القياس مع الفارق أو الفوارق ، وبعضها من نوادر المحال والمغالطة ، مبديًا أن هذا التقسيم يساعد على الرجوع بالنادرة إلى مصدرها ، ولكن مع التحفظ والتماس القرائن الأخرى . وأنه إذا كان هذا التقسيم لم يبلغ مبلغ الجزم والتوكيد ، إلاَّ أن أمانة البحث قد اقتضته ، ثم لعله ـ برغم التقريب ـ أصدق الموازين الميسرة للبحث عن إسناد الروايات الشائعة بلا اسناد يبلغ مبلغ الجزم واليقين .  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *