فى مدينة العـقاد( 743 ) جحا الضاحك المضحك (15)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

فكاهات عهود التحول

 

    تتميز عهود التحول الذى تحيط بأمم كثيرة , بأنها أبرز المواسم الفكاهية التي تنفس بها الأمم عن صدورها . فالفكاهة تأتى هنا فى أوانها حين تؤذن العهود بالتحول لتزعزع أركانها وزوال مقوماتها ـ فينبرى لها نابغ ملهم فى فن النقد الفكاهى ، يجسمها في « شخصية » مخترعة يجعلها هدفًا للسخرية والتسخيف ، أو يعمد إلى شخصية خيالية قائمة يلبسها ذلك الثوب ويودعها بقايا النفاق والتسلق والتقاليد الخاوية التى تتخلف عن العهود التى آذنت شمسها بالأفول .

     وقد تمثل الأستاذ العقاد لهذه العهود المتحولة , بعهد الفتك وإشباع البطون والشهوات في القرن الخامس عشر للميلاد ، وقد تصدى له الأديب الفرنسى رابليه  Rabelais ) ١٤٩٤١٥٥٣  (فمثل ملوكه وأبطاله في شخصيتين خالدتين إحداهما شخصية جارجنتوا Gargantua  الذى يلتهم الآدميين والأنعام نهما ولا يشبع ولا يكف عن الطعام ، والأخرى شخصية بكروشول Picrochole  الذى ضربت نفسه بالعدوان وهانت عليه النفس البشرية يزهقها لقليل من المال أو لنزوة من نزوات الساعة ، أو لغير شىء غير العتو والطغيان .

    وليس أدل من اصطحاب هذه المساوئ في العهود الدائلة من آيات القرآن الكريم في سورة الفجر حيث تنعى دول التبابعة والفراعنة والجبابرة جميعًا فى أمثال هذه العهود :

     « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ  * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ » ( الفجر 6 ـ 14 ) إلى قوله تعالى : « كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا » ( الفجر 17 ـ 20 ) .

     وهذه المفاسد التي جمعتها هذه الآيات هى بعينها مفاسد العهد الذى يمثله جارجنتوا فى النهم ويمثله بكروشول في الفتك والعدوان ، وكلاهما بعد ذلك باغ نهم على زيادة البغى فى أحدهما وزيادة النهم فى الآخر .

*           *          *

    ومن هذه العهود المتحولة ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ « عهد الفروسية في القرن السادس عشر بين نبلاء الإسبان على الخصوص ، فإن هذا العهد قد شاخ وشاه حتى بطلت فيه النخوة والحماسة ، فأصبحت أكذوبة خاوية يتعلق المخدوعون بظواهرها أو الجامدون على بقاياها , وقد تصدى لهذا العهد كاتب أسبانى من طراز رابليه هو سرفانتيس Cervants صاحب كتاب دون كيشوت الذى تضمن من أمثال العرب وكلماتهم المأثورة ما يكاد يُسلكه في عداد الكتب العربية , ولم يكن ذلك عبثًا أو لغوًا بل كان من تمام التعبير عن العهد الآفل لأنه وافق شيوع التقاليد العربية بين الأسبان وأمم القارة الغربية.

    « ويعاصر هذه العهود أو يسبقها بقليل عهد الألاعيب « الشريرة » الذي فشا بين الولايات الألمانية على أيام النبلاء الذين قيل فيهم إنهم نصف أمراء ونصف قطاع طريق ، وتمثلت ألاعيب هذا العهد في شخصية القروى أولنسبيجل Eulenspiegel الذى كان كالمسخ المشوّه في تصوره لأولئك العابثين المحتالين الأشرار ، ويقال إنه عاش في برونزويك وإن توماس مورنر Murner )١٤٧٥١٥٣٠ (الذى جمع نوادره بعد ذيوعها نحو قرن من الزمان ، ولم تثبت نسبة الكتاب إليه ولكن ثبت ذيوع النوادر قبل ذلك بغير خلاف.

    « ثم جاء الكاتب البلجيكى شارل دي كوستيه) Charles de Coster ١٨٢٧ ١٨٧٩ ) فاستعار هذه الشخصية وأودعها روحًا فلمنكية مرحة كادت أن تجعلها نموذجًا للطبيعة الفلمنكية فى سذاجتها التى آذنت بالتحول عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .

     « وخاتمة المطاف في هذه المواسم الفكاهية ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ كتاب « أعاجيب البارون منشهاوزن » الذى ألفه الكاتب الألمانى رودلف أريك راسب Raspe ، وأدار حوادثه أو نوادره على شخصية واقعية عاش صاحبها فى القرن السابع عشر وعاد بعد خدمته فى الجيش الروسى يصدع الأسماع بأخبار البطولة التي يرويها عن نفسه ، وخوارق الشجاعة والدهاء التي امتاز بها فى وقائع الحرب والسفارة بين الملوك والأمراء ، ومنهم أمراء المشرق في الآستانة والقاهرة .

»     تلك الشخصية الواقعية هي شخصية كارل فردريك منشهاوزن (١٧٢٠–١٧٩٧(  نموذج المفاخر المدعاة بين عصر السيف وعصر البندقية والمدفع ، وإحدى أعاجيبه أنه نسى النار التى يشعل بها البارود ، فأوقد زناد البندقية بضربة على عينه أطارت منها الشرر فانطلق الرصاص … وإحدى هذه الأعاجيب أنه أراد الخروج من القلعة المحصورة فركب القذيفة التى أطلقت عليها فعادت به أدراجها إلى حيث أراد ، وكانت أعاجيب منشهاوزن هذا خاتمة العهد الذي راجت فيه أباطيل البطولة بعد عصر الفروسية وقبل عصر السلاح الحديث ، وراجت فيه على الجملة أخبار السياحات والرحلات مما يصدقه العقل أو لا يقبل التصديق » .

*              *               *

    ولعلنا نضيف إلى ما أورده الأستاذ العقاد , ما ظهر بمصر بعد سنوات من تأليفه هذا الكتاب , بل وبعد رحيله , ما اشتهر من هذه الشخصيات الفكاهية من مثل : غنى الحرب , وعبده مشتاق , وقاسم السماوى , وغيرها .

    ويعقب الأستاذ العقاد بأن الفكاهات التى أشار إليها ظهرت في مناسبات متشابهة بين فرنسا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا , وتقبلتها أمم الشرق والغرب , وتم تداولها بجميع اللغات . وربما برعت أمة عن سواها فى بعض النكات , وربما كانت النكتة الإسبانية أبرع أحيانًا من النكتة الألمانية ، وربما قيل إن أعاجيب « منشهاوزن » أبرع من نكات « دون كيشوت » , إلاَّ أن هذه كلها دلت على أن الضحك ـ كالمنطق ـ مزية إنسانية .

       على أن طبائع الإنسان العامة لا تمحو ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ لا تمحو الفوارق بين المجتمعات في مواقعها المتباينة ، ولا تمحو الفوارق بين المجتمع الواحد فى الأزمنة المختلفة والأحوال المتناقضة . وليس من الطبيعى أن تكون الأمة الوادعة كالأمة الكادحة ، أو الأمة الغنية كالأمة الفقيرة ، أو الأمة النهرية كالأمة الصحراوية أو الجبلية , أو الأمة التى  طال عهدها بالحضارة  وتلك الوافدة عليها .

     مهما اتفقت طبائع الإنسان ، سيبقى بعد ذلك بقية للصبغة القومية , فى الجد والفكاهة ، أو فى العلم والعمل ، أو في التفكير والذوق ، أو فى الضرورات والكماليات .  

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *