فى مدينة العـقاد ( 742 ) جحا الضاحك المضحك (14)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الإنسانية والفكاهة

    أصح الأقوال بين جميع الأقوال والتعريفات أن الضحك « ملكة إنسانية » من طرفيه ، فلا يضحك إلاّ إنسان ، وما من شىء يضحكه إلاَّ أن يكون إنسانيًّا ولو على سبيل التشبيه .

    فهل يعنى ذلك أن كل إنسان يضحك بلا استثناء ؟

    كلا فيما يجيب الأستاذ العقاد ، فإن كان كل إنسان ينطق ويفكر ويتكلم بلا استثناء ، إلاَّ أن ذلك لا يعنى أنه ليس هناك خرسٌ لا ينطقون ، وبلهاء لا يفكرون ، وصغار أو همج تسيطر عليهم الغرائز التى لا تساوى البشرى فى الخلق أو فى الذكاء .

    ومع ذلك نقول إن الإنسان حيوان ناطق . ونريد بذلك أنه ناطق بالاستعداد العام فى أبناء نوعه ، أما أن ينطق أو لا ينطق فهذه مسألة أخرى .

     وكذلك يقال إن الإنسان حيوان ضاحك ، بينما منه جماعات بدائية لا تفهم الضحك ولا تضحك ولا تميز بين المضحكات . وافتقاد البدائى لهذه القدرة ، لا يعنى أن الإنسان لا يضحك فى جميع الأحوال .

     ولعل هذا العجز عن الضحك فى هذا الطور البدائى يعزز القول بأن الضحك خاصةٌ إنسانية لا يشترك فيها عامة الأحياء .

      أما فيما عدا هذا الطور من الهمجية البدائية ، فإن الشعوب جميعًا تعرف الضحك وتعرف واضعه وموضوعه بالتجربة العملية .

    ويريد الأستاذ العقاد بواضع الضحك ـ من يخلق الضحك بتمثيل المضحكات واختراع حكايتها كالفنانين والندماء .

     أما موضوع الضحك ، فيريد به من يكون « أضحوكة » الناس ، بالغفلة أو بالنقص أو بالتصرف المتناقض الذى يحول شعور الناظر إليه من وجهة إلى أخرى فجأة .

الأمم الضاحكة

    جرت عادة المعاصرين على وصف بعض الأمم بالفكاهة ، وتجريد بعضها منها أو وصفها بالجهامة أو ببطء الإحساس بما يضحك بالمقارنة بغيرها من الأمم الضاحكة التى تحس الفكاهة .

     فإذا كان الثابت أنه لا توجد أمه خلت من نوابغ الفكاهة فى كل أجيالها ، ومن آثار هؤلاء النوابغ فى الآداب والفنون ، فإن مما يفيد فى استقصاء ذلك « دليل الأمثال » التى يتداولها الناس ويتوارثونها . هذه الأمثال الشائعة هى ترجمان صادق لتفكير الأمة وشعورها وطريقتها فى التعبير  .

    وهناك أمثال لأمم تقترن فيها الحكمة بالفكاهة ، أو تأتى عن طريقها ؛ فتأخذ الحكمة مأخذ الجد ومأخذ المزاح فى وقت واحد .

    ويتمثل الأستاذ العقاد بأمتين من أمم المشرق وبأمتين من أمم المغرب ، يقال عن إحداهما إنها ذات فكاهة ، وعن الأخرى إنها اشتهرت بالجهامة ، وتأخذ كل الأمور بالجد والصرامة .

    فى المشرق عُرفت أمة الفرس بالنكات القديمة والحديثة ، وعُرفت أمة اليابان بالكد والدأب والانصباب على العمل .

    وفى المغرب ، عُرفت الفرنسية الأمة بصفة الفكاهة ، وعُرفت الأمة الألمانية بالجهد والجد والجهامة .

    وقد طفق الأستاذ العقاد يتمثل بأمثال فارسية وأخرى يابانية ، وبأمثال فرنسية وأخرى ألمانية ، للدلالة على ما يشيع أو يغلب من صفات فى كل أمة .

*         *        *

  وغير هذا المقياس ، يوجد مقياس آخر للفكاهة الشائعة مستمد من مواسم الفكاهة التى تعرض بجميع الأمم فى حالات متماثلة ، مثل التنفيس عن الحرج أو حالات التمرد والاحتجاج على البدع الشائعة .

   فشعوب الصقالبة فى أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى ، اشتهرت بجهل النكتة وخشونة الفطرة وقلة الفطنة لكل معنى غير معناه الصريح الواضح الذى لا يؤخذ إلاَّ على وجه واحد .

      إلاَّ أن هذه الشعوب رويت عنها نوادر فى مواسم الحرج لا تفضلها نوادر الشعوب الغربية فى أمثال هذه المواسم  .

النوادر القرقوشية

    يرى الأستاذ العقاد أن الاستعداد لتأليف الفكاهة فى أوقات الحرج ، يكاد يتساوى بين جميع الأمم ، حتى التى لم تشتهر بالنكتة واشتهرت بأنها تجهلها ولا تحسنها ، أو بالجهامة .

     بل ويرى أن هذه الأمم تأتى فى مقدمة تأليف النكات لأن ما تعانيه من صرامة يسرع إليها بأوقات حرج تنفس فيها عن نفسها بتأليف النكات التى لا تلاقى من الحرج ما تلاقيه الأقوال المباشرة الصريحة .

     ويستشهد الأستاذ العقاد بأن كثيرًا من النكات القديمة والحديثة ، التى نسبت فى مصر إلى « قره قوش » فى عهده ، وأوردها « ابن مماتى » فى كتابه « الفاشوش فى حكم قره قوش » ـ ليست كلها من تأليفه وابتكاره ، وإنما نسبت إليه عند عدم شيوع المصدر أو الإفصاح عنه .

    ومن هذه النوادر ، تلك التى تحكى أن غلامًا لقره قوش قَتَل نفسًا فحكم عليه بالشنق ، فلما قال له الشفعاء إنه « الحداد » الذى يخدمه ويضع نعال الأفراس ولا بديل له ، وأنه إن شنقه فلن يجد غيره ، لَمَحَ قره قوش قَفَّاصًا ناحية الباب ، فأشـار عليهم بأن يشنقوه مكان « الحداد » لأنه لا حاجة بهم إليه !

    وعلى هذا المثال تجرى النوادر « القرقوشية » التى طفق الأستاذ العقاد يروى أمثالاً لها ، لينتهى إلى أن هذه النوادر لو أحصيت لاجتمع منها مجلدات تربى على العشرات من أمثال كتاب ابن مماتى : « الفاشوش فى حكم قره قوش » .

     فإذا قوبلت هذه النوادر بنوادر الأمم التى اشتهرت بالفكاهة فى أوروبا الحديثة ، لظهر من المقابلة أن الاستعداد للفكاهة متقارب أو متساوٍ بين جميع الأمم ، وإنما تزيد النكتة المصرية بطابع خاص ؛ هو الجمع بين التنفيس عن الحرج ، وبين وصف الحاكمين بالغفلة والبلاهة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *