فى مدينة العـقاد ( 741 ) جحا الضاحك المضحك (13)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

من صور الضحك
فى التوراة

استشهد الفيلسوف العبرى بالتوراة عن ضحك الإله ممن يغترون بقدرتهم ويعتزمون ما لا يقدرون عليه .
وهذا الاستشهاد مأخوذ من المزمور الثانى من المزامير بالعهد القديم ، وجاء به بعد بيان باطل ومؤامرات الرؤساء على الرب وعلى مسيحه ، وما زعموا أنهم قادرون على تحقيقه ، جاء المزمور الثانى : « الساكن فى السموات يضحك . الرب يستهزئ بهم . حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ، ويرجفهم بغيظه » ( المزامير 2 :4 ـ 6 ) .
والضحك هنا ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ يترجم عن حالتين متناقضتين : غرور الظاهر بالقوة ، وحقيقة هذا الغرور العاجز الذى لا قبل له بما يدعيه .
والاختلاف بين هاتين الحالتين ، هو مثار الضحك مجازًا بالنسبة للإله .
وجميع ما ورد بالعهد القديم عن الضحك ، يُفهم الضحك فيه بمعنى الاستهزاء والسخرية إذا كان من المفكرين ، وبمعنى الاستغراب إذا كان من المؤمنين .
وجميع هذه المشاهد تنحى باللائمة على المستهزئين لأنهم يستكبرون ولا يصدقون . يستهزئون بالأنبياء لفساد اعتقادهم فيهم ، ويستهزئ الأنبياء بهم لأنهم يرون الحقائق معكوسة .
ويورد الأستاذ العقاد أمثلة لضحك الاستهزاء من سفر أشعيا ، ولضحك الشماتة مع الاستهزاء من الإصحاح الأول لهذا السفر ، ويورد إشارات على الاستهزاء بمعنى الكبرياء والغرور والجهالة ، وجزاء المستهزئ ـ من سفر الأمثال بالعهد القديم .
* * *
ويرى الأستاذ العقاد أن كتاب أو سفر الأمثال ، من أكثر الكتب فى العهد القديم إشارة إلى معنى الهء والاستهزاء ، وهو تكرار يوافق طبيعة السفر كله ، وهو تكرار يوافق طبيعة السفر كله ، لأن الأمثال سفر الحكمة والتجربة وهما نقيض الاستهزاء الذى يستخف صاحبه بجميع الأمور ولا يزال كذلك حتى تهديه تجارب الأيام إلى الاعتبار بالحوادث وبعد النظر فى عواقب الأمور ، فإذا هو ينظر إليها كما قال الشاعر العربى :
أمور يضحك السفهاء منها ويبكى من عواقبها اللبيب

وليس فى كتب العهد القديم كتاب تكررت فيه الإشارة إلى الاستهزاء كما تكررت فى كتاب الأمثال ، ولكنه جاء فى بعض الكتب على ندرة واختلاف يسير فى المعنى ، وكادت قصة سارة فى سفر التكوين أن تنم عـن ضحـك بمعنى الاستغـراب والاستعظـام ، لأنها لا تستهزئ بالبشارة ولكنها تستغربها ولا تطمئن إليها لأول وهله .
والمواضع التى ورد فيها الضحك فى أسفار العهد القديم ، إنما كانت تنديدًا بخليقة الاستهزاء والسخرية ، أو بمعنى الاستهزاء الذى يرد الاستهزاء على أصحابه ، ومن هذا القبيل ما يُنسب ـ مجازًا ـ إلى الإله ، أو إلى عباده الصالحين ، مثلما ورد بسفر أيوب : « فلا تخاف من الخراب إذا جاء .. تضحك على الخراب والمحـل ولا تخشى وحـوش الأرض »
ومما قيل بالعهد القديم عن الضحك بمعنى الاستهزاء ، ما جاء بكتاب الأمثال : « إنه فى الضحك يكتئب القلب وعاقبة الفرح حزن » أو ما جاء بسفر الجامعة : « إن الحزن خير من الضحك لأنه بكآبة الوجه يصلح القلب .. »
على أن الضحك قد ورد فى العهد القديم ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بمعنى السرور مقابلاً للحزن مصحوبًا بالغناء . مثلما جاء بالمزامير بعد رد السبى ، « إننا … حينئذ امتلأت أفواهنا ضحكًا وألسنتنا ترنمًا » ..
على أنه وإن كان لا يلزم تفسير الضحك بالأسباب المتقدمة ، إلاَّ أنه لا يخلو من الشعور بالنقيض بعد النقيض ، إذ ينتقل المرء من الأسر إلى الطلاقة ، فيعبر عن فرحه بالضحك والغناء . وأمثلة ذلك كثيرة فى المزامير .

فى الإنجيل

جاء ذكر الضحك بالعهد الجديد ـ فى إنجيل لوقا على لسان السيد المسيح عليه السلام ، إذ يقول وقد رفع عينيه إلى تلاميذه :
« ورفع عينيه إلى تلاميذه وقال : وقال طوباكم ايها المساكين لأن لكم ملكوت الله . طوباكم أيها الجياع الآن لأنكم تشبعون ، طوباكم أيها الباكون الآن لأنكم ستضحكون. » ( لوقا 6 : 20 ، 21 ) .
وهن نرى الضحك مقابلاً للبكاء ، دون أن يخلو الضحك من دواعيه ، وأهمها تبدل الحال والمقابلة بين النقيضين .
* * *
يقول الأستاذ العقاد :
« وهذه الشواهد من هذه الكتب الدينية التى يقرأها المؤمنون بها ويقدسون ما فيها ـ خير ما يستشهد به على طبيعة الضحك فى حالات متعددة ، لأن هذه الدواعى تبرز فى مواضعها بروزًا واضحًا بما يقابلها من شعور القداسة ، وتنبئنا عن أناس متباعدين فى الأزمنة والأمكنة والطبائع والأخلاق ، فنعلم أن الإنسان إنسان فى كل زمان ومكان ، وأن الضحك خاصة إنسانية تعم بنى الإنسان » .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *