فى مدينة العـقاد ( 740 ) جحا الضاحك المضحك (12)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

فى الكتب الدينية

من عجائب النفس البشرية ، أنه يتلاقى فيها الشعور بالمقدس ، والشعور بالضحك .
والدليل على هذه المقابلة ما ورد فى الكتب المقدسة ، ولا سيما الكتب التى تسوق العبرة من القصص والأمثال ، وما ترويه من أخبار عن الضحك والضاحكين من مختلف الطبائع والأمزجة ، وفى مختلف المناسبات .
وردت مثل هذه الإشارات فى القرآن الكريم .
ففى قصة إبراهيم عليه السلام ، وحين زاره الملائكة فلم يعرفهم وخافهم ، ثم بشروه بولادة اسحق من زوجته ساره .
« فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ » (هود 70ـ 72)
فهنا خوف فاطمئنان ضحكت له امرأة إبراهيم ثم بشرى « مفاجئة » على غير انتظار ، فتعجب لها الزوجة فتقول : إن هذا الشىء عجيب . ترد عليها الملائكة فيما يرويه القرآن : « قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ » (هود 73).
فى هذا المشهد كل عوامل الضحك النفسية التى ظهرت للباحثين النفسانيين فى تفسيراتهم ، تعرضها الآية الكريم على نسقها المتتابع ، فتأتى بالضحك حيث يأتى الضحك مطردًا في مواضعة بعد تحول الشعور من الخوف إلى طمأنينة ، ومعرفة بعد نكران ، وبشارة مفاجئة بما ليس فى الحسبان .
* * *
وجاء فى القرآن الكريم فى قصة سليمان عليه السلام : « حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ » (النمل 18 ، 19).
وتأتى ها هنا عوامل الضحك على سجيتها ماثلة فى النقائض الدقيقة بين ضآلة النمل وضخامة الملك التى أوتيها سليمان عليه السلام ، فتبسم ضاحكًا لقولتها ، ورضى بما تفيض به نعمة الله عليه من السعة التى ألهمته الشكر والخشوع .
وورد الضحك ـ فيما يشير الأستاذ العقاد ـ فى آيات متفرقة بمعنى السخرية والاستهزاء ، فجاء فى سورة المطففين :« إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَء لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأرَائِكِ يَنظُرُونَ » (المطففين 29 ـ 35) .
فالضحك هنا مقترن بالتغامز الخفى ، كأنما يحسب المستهزئون أنهم يستغفلون المؤمنين ، فيسخرون منهم بالتغامز فيما بينهم ويضحكون ، ويأتى الضحك الأخير حين لم يكن فى الحسبان ، لأن الكفار كانوا يضحكون فإذا بهم وقد انقلب الأمر عليهم ، فهم أضحوكة للضاحكين ، والمؤمنون وادعون على الأرائك ينظرون .
وجاء فى سورة الزخرف : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ » (الزخرف 46 ، 47) .
وضحك « المفاجأة » هنا واضح ، حين فوجئوا بآيات الله ، فتحول الشعور إلى الضحك من وقع المفاجأة .
وفى سورة النجم ، عن نوح عليه السلام : « وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاَء رَبِّكَ تَتَمَارَى * هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأولَى * أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا » (النجم 52 ـ 62) .
فى هذه الآيات الكريمة ، يتحول الشعور « فجأة » بما من الاستغراب إلى نذير « الآزفة » المطبقة ، وبين النقيضين المتباعدين بين الاستغراب والخوف ، يتعجب القوم فيضحكون .
« والضحك من البلاء الذى لا يحسه السامع ويحس نقيضه ـ كالضحك من البلاء الذى يحسه ويحس أنه ناج منه ، وقد تكرر ذكر الضحك بهذا المعنى فجاء فى سورة التوبة عن المخلفين الذين فرحوا بمقعدهم عن القتال : « فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ » (التوبة 81 ، 82 ) .
وهذا الضحك قد يقترن أيضًا ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بالسماع عن الخطر مع الشعور بالأمان ، وقد يرد بمعنى السرور لأنه يلازمه فى معظم دواعيه ومظاهره . وقد ورد ذكر السخرية والاستهزاء بمعنى الاستخفاف والكبرياء ، أو بمعنى التردد بين حالتين متناقضتين : حالة ظاهرة وحالة باطنة تناقضها .
يقول الله تعالى عن المنافقين : « وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ * اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ » (البقرة 14 ، 15 ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *