فى مدينة العـقاد ( 739 ) جحا الضاحك المضحك (11)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

رأى سيجموند فرويد

 

    بقى من الآراء الثلاثة النموذجية في بحث مسألة الضحك ،  رأى الطبيب النمساوى النفسانى « سيجموند فرويد » .. صاحب المذهب المشهور الذى ذاع وذاعت مصطلحاته ، وكاد مذهبه أن يستأثر بتفسير خبايا النفس البشرية في مسائل الأخلاق والعادات والبواعث الفردية والاجتماعية.

     أفرد « فرويد » رسالة مطولة للحديث عن النكتة ومدلولاتها الاجتماعية والفنية ، ومواطن الشبه بينها وبين الأحلام والرؤى .

     وجوهر رأيه أن النكتة ضرب من القصد الشعورى والعملى ، يلجأ إليه الإنسان ليعفى نفسه في المجتمع من أعباء الواجبات الثقيلة ويتخلص من الحرج الذي يوقع فيه الجد وضرورات العمل ، وأن النكتة تشبه الحلم فى أساليبه ، وهى التورية والتأويل والاختزال والمسخ والتلفيق فى صورة واحدة لا تجتمع في الواقع .

      وكأنما يحتال المرء بالفكاهة  لبلوغ أمر لا يبلغه بالحجة والدليل ، ويحتال فى أحلامه لتحقيق الأمانى التي تفوته فى اليقظة .

      ومن النوادر الفكاهية التى أوردها ، والدالة على أن الفكاهة  تعادل الأحلام فى رفع الكلفة والسماح لقائلها أو سامعها بما هو محظور عليه بالكلام الصريح :

      رجلان من أصحاب الملايين صنعا صورةً لهما عند رسام مشهور، حيث عُرِضتا فى معرض عام وبينهما مسافة تتسع لصورة ثالثة . فقال أحد النظارة وهو يتأمل الصورتين وينظر إلى المسافة  بينهما : ها هنا متسع لصورة السيد المسيح .

     وأدرك السامعون أنه يلمح إلى أن صاحبى الملايين  لصان ، لأن القصة المسيحية تقول إن السيد المسيح وُضع على الصليب بين لصين ، أى أنهما يستحقان الصلب كما استحقه اللصان ،  ولكن السامعين ضحكوا ، فلما عرف صاحبا الصورة بما حدث ، عجز عن مؤاخذته أو مقاضاته .

     ويسرد فرويد فيما يشير الأستاذ العقاد ـ أنماطًا من النكتة تشترك بين الجناس والمغالطة ورد الحيلة بحيلة من قبيلها ، والتفاهم على الكذب والأجوبة المسكتة ، وغيرها من المضحكات التى ينطبق عليها  هذا التعليل .

ولا يأنف الأستاذ العقاد من إيراد أمثلة لما أورده فرويد من نكات ، ظن أنها لا تضحك الإنسان العربى ، ولكنه أوردها ليوضح أنها تعتمد على الجناس اللفظـى ، مشيـرًا إلى أن « فرويد » قسم المضحكات إلى ثلاثة أقسام : النكتة  Wit، والهزل Comic ، والدعابة humour .

      وكلها مما يفسر عند بالقصد فى القوى النفسية ، ولكن النكتة قصد فى العاطفة التى يكلف كبتها الكثير من مجهود النفس ، أما الهزل فهو قصد فى الفكر والمنطق ، بينما الدعابة قصد فى الإحساس .

*           *            *

    ويبدو للأستاذ العقاد مما أورده من أمثلة للنوادر استشهد بها فرويد ، أنها لا تطابق تفسيره فى كل الأحوال .. وأن القصد فى الشعور أو التفكير قد يتحقق بالنكتة أحيانًا ، ولكنه لا ينشئها ولا تتوقف عليه.  مثال ذلك نادرة أطلقها على سخرية يهودى من يهودى  ، فهى لا تدخل فيما اراد فرويد الاستشهاد بها عليه ، وإنما هى تضحك لأنها تفاجئ السامع بغرابة اللوم الذى يوجهه اليهودى لصاحبه . ومن ثم تكون « المفاجأة » هى عماد الفكاهة في هذه النادرة أو غيرها من النوادر التى استشهد بها فرويد .

    ويرى الأستاذ العقاد أنه يبدو أن رأى برجسون ورأى فرويد لا يناقضان تفسير الضحك من الوجهة الجسدية كما أجمله داروين في كتاب « التعبيرات « ، وفصله « برجسون » فى مقاله عن الضحك من الناحية الفسيولوجية ، وهو ما لا يناقض رأى داروين : مفاجأة  تحبس الفكر أو الشعور عن مجراه فيتحول إلى العضلات ، ويبدأ  فى أسهلها حركة ثم يسرى إلى غيرها من عضلات الجسم كله .

     ولا تناقض بين هذا وبين قول برجسون إننا نضحك من الإنسان إذا تصرف في حركاته وأقواله تصرف الآلة الصماء . فإن هذا التصرف يفاجئنا بشىء لم ننتظره من إنسان عاقل تجرى أعماله على حكم المنطق الفطرى الذي طبع عليه الإنسان المسمى بالحيوان الناطق أو الحيوان المنطقي بعبارة أخرى، فنحن ننتظر عملا منطقيًّا فنرى أمامنا عملاً آليًا على غير انتظار أو على خلاف المنتظر، وهذه هي المفاجأة التى ترجع بنا إلى تفسير داروين وسبنسر، وقد ضحك الإنسان من النقائض المفاجئة قبل شيوع الآلات وخلق له جهاز الضحك قبل احتقاره التشبه بالآلة.

     وقول برجسون إن الضحك تنبيه اجتماعى لمن يذهلون عن آداب البيئة لا ينقض هذا السبب ، لأنه فائدة من فوائد الضحك لا تفسر أسبابه ولكنها تدل على غاية من غاياته، والفرق ظاهر بين الأسباب والغايات ..

    ويرجع بنا رأي فرويد إلى المفاجأة كما يرجع بنا رأي برجسون إليها .

     والواقع ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ أن جميع النوادر التى استشهد بها فرويد ــ لا توجد فيها نادرة واحدة تخلو من « المفاجأة » وتغنى من ثم عن تفسير سبنسر أو تفسير داروين .

      وقد فرق الباحثون ــ فيما يرى ــ  بين كثير من المضحكات لاختلاف أسمائها بين كلمات السخرية أو الاستهزاء أو الدعابة أو الفكاهة ، بيد أنها تؤول فى النهاية إلى فروع بين أنواع الضاحكين وليست فروقًا بين أنواع الضحك في أصوله.

       وإجمال هذه التفسيرات جميعًا ،  فيما يقول  إن الضحك ينجم عن « مفاجأة » تتحول بالفكر وبالشعور عن مجراه ، وإن الاختلاف بين السخرية والاستهزاء والدعابة والفكاهة ـ
لا يلجئ إلى البحث عن اختلاف في أنواع الضحك ، لأنه في جوهره اختلاف بين أنواع الضاحكين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *