فى مدينة العـقاد ( 738 ) جحا الضاحك المضحك   (10)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

ثلاثة آراء فى الضحك

 

     الآراء الثلاثة التى عنى الأستاذ العقاد بتناولها ، هى للفيلسوف الإنجليزى « هربرت سبنسر  Herbert Spencer» والفيلسوف الفرنسى « هنرى برجسون ـ  Henri Bergson» صاحب كتاب الضحك ، والحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1927 ، و« سيجمون فرويد ـ  Sigmund Freud» الطبيب النمساوى ، والعالم النفسانى صاحب المذهب الحديث فى علم النفس .

 

رأى هربرت سبنسر

 

    عبر هربرت سبنسر عن رأيه فى كتابه : « فسيولوجية الضحك The Physiology Of Laughter » وأدار البحث فيه حول تفسير عوارض الضحك الجسدية ، وارتباطه بالأفكار والأحاسيس التى تستدعيها .

    وفكرته فيما قال الأستاذ العقاد ـ تشابه فكرة « داروين » فى أساسها ، ولكنه يخالف القائلين بأن الضحك محاولة عضلية للتخلص من مكرب أو غير محتمل كما يخالف القائلين بأن الضحك يتولد من شعور مفاجئ بالغبطة و الرضى .

   فهذه وتلك فى نظره قد ينجم أو لا ينجم عنها الضحك ، ومن ثم لابد من سياق يفسر هذا التحول فى وجهة الشعور . ويرى أن المؤثرات لها فى الإنسان ثلاثة منافذ : منفذ الحس ، ومنفذ الفكر ، ومنفذ الحركة العضلية .. وأن هذه كلها قابلة للتحول من منفذ إلى آخر تبعًا للمواقف وما يطرأ فيه خلاف السياق الجارى .

  ومما يدل فى نظره على أن الضحك من حركات رد الفعل أو من الحركات الانعكاسية ـ أنها حركات لغير مقصد أو غير مقصودة بإرادة صاحبها ، وكأنها غمضة العين للوقاية ، أو رعشة البرد !

    ويتبسط سبنسر فى وصف تأثير الانفعالات غير الإرادية ، فيرى أن تأثير الشعور قد يعطل تفكير الخطيب على الرغم منه !

  فالسريان بيد منافذ الحس والتفكير والحركة ـ طبيعى فى المؤثرات النفسية ، وكلها تجرى فى مجراها الطبيعى من الفكر إلى الحس والحركة أو العكس .

    غير أن الحس أو الفكر لا ينتقل إلى الفعل ـ فيما يرى ـ إلاَّ فى غياب الحس والفكرة التى من قبيله ، ويضرب لذلك الأمثلة من الواقع الحاصل .

    يرى الأستاذ العقاد أن ملاحظة سبنسر هذه ـ مهمة جدًّا فى تصحيح التعريفات الأخرى ، ومنها تعريف أفلاطون وأرسطو وغيرهما للضحك ، إذ يقولون أن الضحك نتيجة الشعور بالسخف أو التشويه الذى لا يبلغ درجة الإيلام والايذاء .

    فالألم مانع للضحك لأنه يشغل الشعور عنه بشىء آخر ، والمفاجأة التى تعوق الإحساس عن مجراه وتحوله إلى العضلات ـ كافيه وحدها لإحداث الضحك دون حاجة إلى استثناء
الألم . 

   أما إذا كان الاحساس من القوة بحيث لا تعوقه المفاجأة ، فإنه يجرفها فى طريقة ولا يتحول إلى العضلات ، ومن ثم لا يحدث الضحك برغم جميع المفاجآت .  

   وينتهى الأستاذ العقاد من ذلك إلى الثقة فى شرط واحد فى المضحكات وهو شرط « المفاجأة » التى تتحول بالشعور عن مجراه .

  

رأى هنرى برجسون

 

      يعد برجسون الفيلسوف الفرنسى المعروف ، من أهم الفلاسفة فى العصر الحديث ، ونظريته عن الضحك معدودة ـ فيما ينوه الأستاذ العقاد ـ من الآراء النموذجية فى هذا المضمار. ويحمل رأيه فى الضحك أنه فى وقت واحد ـ تطور منطقى وحاسة اجتماعية .

    فنحن نضحك إذا رأينا إنسانًا يتصرف تصرف الآلة ويقيس الأمور قياسًا آليًّا لا محل فيه للتمييز المنطقى ، ولكننا نضحك فى الجماعة عامة ولا نضحك منفردين ، لأن الضحك تنبيه اجتماعى أو عقوبة اجتماعية لمن يغفل عن العرف المتبع فى المجلس ، أو فى المحفل ، أو فى الهيئة الاجتماعية بأسرها ..

   والضحك عند برجسون إنسانى بمعانى الكلمة جميعًا ، فلا يشاهد فى غير الإنسان ، ولا يستثيرنا الضحك فى غير عمل إنسانى أو عمل تربطه بالإنسان ..

    فنحن لا نضحك من منظر طبيعى أو من جماد كائنًا ما كان إلا إذا ربطناه بصورة إنسانية ، وجعلناه شبيهًا بإنسان نعرفه أو منسوبًا إلى عمل من أعمال الناس . وقد نضحك من قبعة نراها فلا يكون الضحك من القبعة ، بل من الإنسان الذى يلبسها ونتصور هيئته فيها .

    ومن شروط الأمر المضحك عند الفيلسوف أن يكون عملا إنسانيًّا بغير معنى ، أو يكون المعنى فيه مطردًا على طريقة آلية كأنه من أعمال الأدوات المجردة من التفكير .

   ومن شروط الأمر المضحك عنده أن يحصل فى جماعة أو يرتبط بالتصرف فى الجماعة. فقلما يضحك الإنسان على انفراد .

    بل ولا يزال الضحك على انفراد بحاجة إلى التوضيح أو الاعتذار .

    لهذا يقرر برجسون أن الضحك مرتبط بالتصرف المنطقى وبالحاسة الاجتماعية فى وقت واحد . فهو وسيلة من وسائل المجتمع لحمل أعضائه على التصرف تصرف الراشدين ؛ ويفسر أنواعًا كثيرة من الضحك على ضوء هذه الشروط .

    ويومئ إلى مناظر « المحاكاة » ، فيقول إنها تضحك لأنها عمل يشبه عمل الآلات ، وتضحك لأنها تلفت النظر إلى الغفلة أو التناقض فى الإنسان المحكى لأنه شبيه بالآلات .

    ويضحكنا كذلك أن يتحكم الجسد فى العقل و الإرادة تحكمًا لا يناسب الموقف ، فتضحك مثلاً من الخطيب الذى تغلبه الحماسة ويعطس أثناء ذلك ، كما يضحكنا من تتكرر فى كلامة « لازمة » محفوظة ومتوقعه ، فيضحك السامع حين يسمعها .

   ومثل هذه الحالة لا يقال إنها ناتج من « المفاجأة »

   ويعقب الأستاذ العقاد بأن المثل الذى يجب الانتباه إليه من أمثلة برجسون يرجح رأيه على رأى القائلين بالمفاجأة لأول وهلة ، ولكنه لا يلبث أن يعود بنا إلى القول بالمفاجأة من جانب آخر . 

    فمشابهة الآلات هى فى ذاتها مفاجأة مستغربة من الآدميين العقلاء ولهذا يتفق القولان ولا يتناقضان ، ويجوز أن يقال إن المفاجأة ومشابهة الآلة شىء واحد ، وإن مشابهة الآلة باب من أبواب المفاجأة لا يستوعبها ولا يمنع الضحك من غيرها .

    وأما الضحك من تكرار اللازمة التي ننتظرها فهو لا يدل قطعًا على نفى المفاجأة أو على الضحك من الشىء لأنه منتظر … بل هو نوع من استعادة الضحك السابق كما نبتسم عندما يمر بخاطرنا تمثيل دور مضحك شهدناه من قبل ونود أن نعيده ونتملاه من جديد .

   وهذا المثل ـ بالذات ـ أصلح الأمثلة لتوضيح الحقيقة في هذا الخلاف ..

   ويضرب الأستاذ العقاد أمثلة التوضيح واثبات وجهة نظرة ، لينتهى إلى أن زبدة هذه الأمثلة تلخص فى رأى برجسون أسباب الضحك فى حماية المنطق الإنسانى والحاسة الاجتماعية . فكما هبط الإنسان من مرتبة التصرف المنطقى الذى يناسب علاقاته ، كلما كان مثيرًا للضحك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *