فى مدينة العـقاد – ( 729 ) جحا الضاحك المضحك ( 1 )

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

    ليس هذا محض كتاب نوادر ، ولا هو بظاهر عنوانه ، وإنما هو إبحار فكرى فى عالم الضحك والفكاهة . وفى الكتاب من الفكر وعراضة البحث والنظر ما يلفت النظر إلى قوة عارضة الأستاذ العقاد الذى خاض فى كل غمار ، فأبدع وقدم ما هو جدير بالقراءة والتمعن والتأمل .

   صدرت أولى طبعات هذا الكتاب الفريد فى أوانه ــ عن دار الهلال ضمن سلسلة

« كتاب الهلال » ــ العدد 65 ــ أغسطس عام 1956 ، وأعيد نشره فى « مطبوعات » دار الهلال ، كما نشرته نهضة مصر فى سنة 2003 ، ونُشر أيضًا بالمجلد / 16 من المجموعة الكاملة لأعمال العقاد ــ بيروت 1980 .

    والكتاب يتضمن بحوثًا عن الضحك ، والآراء التى قيلت فيه ، وعن الإنسانية والفكاهة , وعن الضحك فى الكتب الدينية . فهو كتاب فى فلسفة وقيمة الضحك ، قبل أن يكون سيرة شخص أو نوادر مضحك قادر على الإضحاك .

   بعد صدور هذا الكتاب بنصف قرن ، أصدرت سلسلة « عالم المعرفة » الكويتية فى يناير عام 2003 ، كتابًا للدكتور شاكر عبد الحميد ، عن « الفكاهة والضحك » ، وكانت ذات السلسة قد أصدرت فى يوليو 1993 ترجمة لكتاب « سيكولوجية السعادة » للأستاذ « مايكل أرجايل » ، ترجمة الدكتور فيصل عبد القادر يونس ـ مراجعة الأستاذ الكبير الدكتور شوقى جلال . وانفتحت الشهية لميدان ظنى أننى أحوج ما نكون إليه .

الكلمة والضحكة

   تحت هذا العنوان ، قدم الأستاذ العقاد تمهيده لهذا الكتاب .

   الكلمة ــ فيما يرى ــ أكبر الفتوح الإنسانية فى عالم الكشف والاختراع ، فلا حياة بغير تفاهم وتواصل عدتهما الكلمة .

   فى عالم الفلك ، كانت الأسماء والمسميات ، كتسمية الأيام والشهور من كل سنة ، هى اللغة التى مكَّنت العقل من قطع المسافات المجهولة من الفضاء الأبدى ، وإعطائها الدلالة التى لا غنى عنها .

    فى القرآن الكريم أن أول ما علمه الله تعالى لآدم ــ تعليمه « الأسماء » كلها ، فهى العلم الإنسانى من مبتداه إلى منتهاه.

    وكل علم للإنسان يعرض له النقص من بعض نواحيه .

     من منافع اللغة أنها نفعٌ للعقل عظيم جد عظيم . فتحت له الآفاق ، ولكن الضرر منها غير قليل .

   عوَّدَتْنا اللغة أن نحسب كل اسمٍ علمًا على شىء واحد .

   وجرت العادة أن نسأل : ما العلم ؟ وما الفهم ؟ وما الحس ؟ وما الضمير ؟

    وأن نسأل : كيف نعلم ؟ ما وسيلة الفهم ؟ ولماذا نحس ؟ وما بالنا نصغى للضمير؟

      تعَوَّدْنا ذلك ، وتعَوَّدْنا أن نجيب بجواب واحد ، كأننا نسأل فى جميع هذه الأحوال عن شىء واحد .

    والحقيقة أن ما نسأل عنه أشياء كثيرة تنبئ عنها « كلمة » واحدة .

     والحديث عن « جحا » أمير المضحكين ، يثير سؤالاً قوامه الكلمة . ما الضحك ؟ ولماذا نضحك ؟

   وكما سلف ، فليس الضحك بشىء واحد ، ولا هو يُعزى لسبب واحد .

   ولكن لا غناء للجواب عن « الكلمة » . وعن هذه الكلمة يقول الأستاذ العقاد إنه لا غنى عنها ، ولا أمان لها أيضًا .

   فى هذه الرسالة يدور بحث الأستاذ العقاد حول « كلمة الضحك » ، لنعرف منها أمير المضحكين بين المضحكين ، ونعرف منها أضاحيكه بين أشتات المضحكات.  

  الضحك ليس ضحكًا واحدًا ، وإنما هو « ضحوك » عدة إن جاز التعبير.

   فنحن نضحك لأسباب كثيرة , ولا نضحك لسبب واحد لا يتعدد .

    هناك ضحك السرور والرضى . وهناك ضحك السخرية والازدراء . وهناك ضحك المزاح والطرب . وهناك ضحك العجب والإعجاب . وهناك ضحك العطف والمودة . وهناك ضحك الشماتة والعداوة . وهناك ضحك المفاجأة والدهشة . وهناك ضحك المغرور، وضحك المشنوج ، وضحك السذاجة ، وضحك البلاهة ، وضحك يختاره الضاحك ، وما ينبعث عنه بغير اضطرار .

     بل ربما ــ فيما يرى الأستاذ العقاد ــ أن لكل « ضحكة » من هذه المضحكات ــ ألـوان لا تتشابه فى جميع الأحوال .

      والضاحك المسرور قد يكون سروره زهوًا بنفسه واحتقارًا لغيره ، وقد يكون سروره فرحًا بغيره ، لا زهو فيه بالنفس ولا احتقار للآخرين .

    والضاحك الساخر قد يضحك من عيوب الناس لأنه يبحث عن هذه العيوب ويستريح إليها ولا يتمنى خلاص أحدٍ منها . وقد يضحك من تلك العيوب لأنه ينفّس عن عاطفة لا يستريح إليها عامة بين إخوانه الآدميين .

    والضاحك من عيوب السخف والحماقة ــ قد يضحك من السخيف الأحمق ، أو يضحك من الذي يحكيه في سخافته وحمقه فيعرف كيف يحكيه ، وكلاهما باعث للضحك مخالف لغيره فى أثره وداعيه ومعناه ..      

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *