فى مدينة العـقاد – (728) الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين (13)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

نهاية المطاف

المقصد الذى تغياه الأستاذ العقاد ، وأجمل بيانه فى كلمة التمهيد لهذا الكتاب ، أو لهذه الرسالة كما يفضل أن يسميها ، هو تصحيح الافهام الشائعة بين الغربيين عن تخلف الأمة العربية فى ميادين الثقافة ، والحكم عليها بأنها تابعة لا منشئة ، وأنها تبع مسبوق يقتدى باليونان فى ثقافة الفكر ، وبالعبريين فى ثقافة العقيدة .
ويرى الأستاذ العقاد أن الأوروبيين قد أخذتهم فى هذه الدعوى « لجاجة » بغيضة تتكشف عن سوء النية . تتعسف فى البحث عن أسباب التجنى والانكار ، وتختلقها اختلاقًا لتنتهى إلى القدح فى الطبيعة العربية ، وتمجيد طبائع الأمم سواها .
يترخصون أحيانًا فى نسبة الفضل القومى أو العنصرى إلى سلالة هندية ، لأن الأوروبيين يدخلون فى الجامعة الهندية الجرمانية إذا دعت الضرورة .
وقد يترخصون فى نسبة الفضل القومى أو العنصرى إلى سلالة صفراء أو طورانية ، لأنهم لم يرثوا من جدودهم عداوة لها من عصبيات القرون الوسطى .
وقد يترخصون فى نسبة الفضل القومى أو العنصرى إلى العبريين ، ربما للصلة التوراتية القديمة قبل المسيحية !
أما الأمة العربية فالعداء لها قديم جديد . عداء الميراث التاريخى ، وعداء الاستعمار ، وعداء الجهل ، وعداء الأنانية التى تغرى بالتحزب والأثرة . فليس أيسر لهؤلاء من تصديقهم لكل فرية تُفْترى على الأمة العربية ، وليس أسرع من إنكارهم لأى فضل لها مهما أيدته الأدلة والبراهين .
مواجهة هذه اللجاجة البغيضة ، وتصحيح آثارها فى أذهان المتأثرين بها ـ هى غاية الأستاذ العقاد فى هذا الكتاب .
* * *
ومع ذلك لا يتوانى الأستاذ العقاد عن الإفصاح عن أنه لا يسعى لاستبدال خطأ بخطأ , ولا أن يمحو فضلاً لصاحب فضل , ولا أن يبخس حق صاحب حق .
كل ما يريده هو دفع شبهات القصور الأبدى المفترى به على أمة ٍعريقة ٍحية ، وقد أصاب الأمة العربية من مزاعم الشبهات أكبر نصيب ، منذ أيام الشعوبية إلى أيام الاستعمار والتبشير والآرية والشيوعية!
كان يُقال عن العرب إنهم بُعثوا بالدين , ولم يُبعثوا بالدنيا.
وكان يُقَال إنه : « لا يفلح عربى إلاَّ ومعه نبى » .
وكان يُقال إنهم لا يصلحون إلاَّ محكومين , وإنهم لا يحسنون صناعة الحكم ، ولولا ذلك ما خرجوا من الأندلس بعد الغلبة عليها عدة قرون .
وقالوا إنهم لا يحسنون فنون الحضارة ، ولولا ذلك لكان لهم فن جميل غير نظم الشعر . وقالوا إنهم لا يحسنون من أعمال المعاش غير ما تعودوه فى البادية من رعى الإبل .
وكل هذه الدعاوى المفتراة ـ أضعف من أن يثبت عليها النظر المتأمل ولو لحظات .
الرومان خرجوا من كل وطن دخلوه .
وخرج الإنجليز من الولايات الأمريكية بعد أن سكنها منهم معظم المهاجرين إليها ، وخرجوا من الهند , وخرجوا من مصر والسودان , وخرجوا من فلسطين وإنْ سلموها للصهيونية والصهاينة .
والإنجليز لم يتركوا من آثار الحضارة والثقافة ــ ما يقارب الأثر الذى أبقاه العرب فى الأندلس وفى القارة الأوروبية وعلى نماذج الفن البيزنطى .
للذوق العربى طابعه . طابع النخلة بقامتها الهيفاء ، وفروعها التى تتلاقى فى عقود المربعات كما تتلاقى الأركان والأعمدة في هندسة البناء .
ركب العرب البحر ، فقبضوا بأيديهم على زمام الملاحة بين الهند وفارس وسواحل أفريقيا الشمالية , فسمى البحر بحر العرب .
وبلغت التجارة على أيديهم أن تكون فتحًا فى عالم الروح , ولم تكن فتحًا فى عالم المال فقط .
هذه الحقائق تبطل دعوى العصبيات الجنسية ، وترشد العقل البشرى إلى الصواب فى علاقات بنى الإنسان .
هذه الدعاوى تناقض الواقع المشاهد فى الحاضر ، وهو الحاضر الذى عاصره الأستاذ العقاد حين كتب هذا المؤلف من ستين عامًا ، ومشاهد الحاضر الآن ـ الذى نبغ فيه من الأمة العربية ـ العلماء والأدباء والمفكرين وأصحاب الريادات العالمية ، وملأوا العالم نشاطًا علميًّا وفكريًّا وإبداعيًّا .
* * *
لا يعنى هذا أننا مبرأون من العيوب معصومون من الخطأ ، أو أن نهوّن من شأن عيوبنا وأخطائنا . فهذه وتلك غير هينة ، بيد أن معالجتها الواجبة ونحن نفهم أصولنا وقدراتنا أدعى لتحقيق الغاية .
ولكن ما تلاه وأنكره الأستاذ العقاد وجدير بالإنكار ، وقد أحسن صنعًا ، بتذكيرنا وتذكير غيرنا بأن من القصور الأبدى المزعوم ـ ينقصه أننا سبقنا السابقين إلى ثقافة المعرفة وثقافة العقيدة قبل أربعين قرنًا ، وأننا أعطينا العالم حظًّا منهما لا يزول منذ أربعة عشر قرنًا ، وأن
ما كان فى ماضى الزمن أكثر من مرة ، حرىٌّ أن يكون ــ بقدراتنا ــ فى الزمن القريب ، وفى الزمن البعيد .
(انتهى)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *