فى مدينة العـقاد ( 727 ) الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين (12)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الشـعر
(2)

لا غرابة فى أن تكون كلمة « الشعر » سابقة فى لغة الجزيرة العربية على مرادفاتها فى وادى النهرين وأرض كنعان .
والمعلوم الآن من أطوار الشعر فى اللغات السامية ـ أنه تَحَوَّلَ فى الآرامية والعبرية من الفقرات المسجوعة إلى السطور المتوازية على نسق قابل للترنم والإنشاد . ثم توقف عن التطور لارتباطه بالشعائر الدينية ، بينما تَطَوَّر النَّظْم فى بلاد الجزيرة العربية حتـى صـار « فَنًّا » مميزًا بأوزانه وأقسامه التى تُعرف بأسمائها دون أن تنسب إلى ناظم معلوم .
على حين أن القصائد العبرية غير معروفة باسم فنى يدل عليها ، وإنما تُعرف بأنها على غرار قصيدة لهذا الشاعر أو ذاك .
وتوقفت بعض اللهجات السامية عند السطور المتوازية ، ولم تتطور بها إلى تقسيم الأوزان والتفاعيل الواضحة .
ويستشهد الأستاذ العقاد بما قاله الأستاذ « جلبرت مورى » فى بحثه عن الأوزان والأعاريض ، حيث قال :
« إن إحدى نتائج هذا الاختلاف زيادة الاعتماد على القافية فى اللغات الحديثة . ففى اللغتين اليوانانية واللاتينية ينظمون بغير قافية لأن الأوزان فيهما واضحة ، وإنما تدعو الحاجة إلى القافية لتقرير نهاية السطر وتزويد الأذن بعلامة ثابتة للوقوف ، وبغير هذه العلامة تثقل الأوزان وتغمض ، ولا تستبين للسامع مواضع الانتقال والانفصال ، بل لا يستبين له هل هو مستمع لكلام منظوم أو كلام منثور ، وقد اختلف الطابعون هذا الاختلاف فى بعض المناظر المرسلة من كلام شكسبير ، فحسبها بعضهم من المنثور وحسبها الآخرون من المنظوم . ومما يلاحظ أن اللاتين اعتمدوا على القافية حين فقدوا الانتباه إلى النسبة العددية … وأن الصينيين يحرصون على القافية لأنهم لا يلتزمون الأوزان . وأن انتشار القافية فى أغانى الريف الإنجليزية يقترن بالترخص فى التزام الأعاريض .
« ويستطرد العلامة الناقد الأديب إلى الشعر الفرنسى فيقول : « إن اللغة الفرنسية حين رجع فيها الوزن إلى مجرد إحصاء المقاطع وأصبحت المقاطع مطولة وصامته … نشأت فيها من أجل ذلك حاجة ماسة إلى القافية فصارت فى شعرها ضرورة لامحيص عنها ، ودعا الأمر إلى تقطيع البيت أجزاء صغيرة ليفهم معناه » .
ويرى الأستاذ العقاد ـ وكان رحمه الله شاعرًا وعالمًا بالشعر ، أن من أسباب الاكتفاء بالوزن دون القافية فى أشعار الغربيين ـ يتمثل فى سبب لم يذكره العلامة « جلبرت مدرى » . وهو غناء الجماعة للشعر المحفوظ الذى يحفظه المغنون بفواصله ولوازمه ومواضع النبر والترديد فى كلماته وفقراته . ففى تلك الحالة ينساقون مع الإيقاع دون حاجةٍ إلى القافية عند نهاية السطور .
وعلى خلاف غناء الجماعة ، نرى أن شعراء هذه اللغات بعينها يلتزمون القافية فى الغناء ، بل ويكثرون من القافية فى المقطوعات التى يرتِلها المنشدون المعروفون ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ باسم ألـ Bards أو اسم « Minstrals » ؛ وكلهم يرتلون أو يترنمون بما ينشدون .
فلا شعر فى لغة من اللغات ـ فيما يقول ـ بغير إيقاع ، وقد يجتمع كله من وزن وقافية وترتيل فى القصيدة الواحدة .. هذا الاجتماع نادر فى لغات العالم ، ولكنه ميسور فى لغة واحدة هى اللغة العربية .
فالكلمات نفسها موزونة فى اللغة العربية ، والمشتقات كلها تجرى ـ فيما يقول ـ على صيغ محدودة بالأوزان المرسومة كأنها قوالب البناء المعدة لكل ترتيب .
وهنا ينبه إلى أنه لا ينبغى التعجل واعتبار هذا الفرق فى الخصائص الموسيقية مرجعه إلى الاختلاف بين الأمم الآرية والأمم السامية كما توهم بعض المستشرقين وبعض المتعجلين من الكتاب الشرقيين .
فاللغة العبرانية كما تقدم ـ لغة سامية فى أصولها ، ولكنها خالية من الوزن والقافية ، وتستعيض عنهما بالأسطر المتوازية والكلمات المترددة بين السطر الأول وما يليه .
وقد كان العبريون يجهلون فنون العروض حتى انكشفت للباحثين اللاهوتيين بعد ترجمة التوراة والإنجيل ، واطلاع علماء اللاهوت على أصول اللغات التى كتبت بها أسفار العهدين القديم والجديد . عند ذلك انكشف للأسقف « لوث Lowth » فى القرن الثانى عشر أن أشعار الكتابين لا تجرى على وزن محدود ، وأن قوام الشعر عند العبرانيين « سَطْر » يرددونه لأغراض ستة : المجاز ، والاستطراد ، والتفسير ، والمبالغة ، والمقابلة ، والمقارنة .
ويضرب الأستاذ العقاد أمثلة للترديد لمقابلة المعنى الحقيقى بالمعنى المجازى ، كما جاء فى بعض المزامير ، أو للاستطراد كما جاء فى قول أيوب .
وعلى هذه القاعدة بُنى النظْم فى العبارات الموقعة التى ترددت فى العهد الجديد ، مثلما جرت وصايا السيد المسيح عليه السلام من مثل قوله :
« اسألوا تعطوا »
« اطلبوا تجدوا »
« اقرعوا يفتح لكم … إلخ .
* * *
فالخواص الشعرية التى امتازت بها لغتنا العربية ليست من خواص اللغات السامية ، وليس لها نظير فى العبرية ولا فى الكلدانية ولا فى معظم اللهجات التى تفرعت على أصول الكلام عند الساميين .
* * *
ويستخلص الأستاذ العقاد أن فن الصياغة الشعرية سلك فى تطوره ثلاثة مسالك متفاوتة فى أمم شرقية وغربية لا تنتمى إلى سلالة واحدة .
ففى بعض هذه الأمم يتوقف هذا الفن عند السجع الذى يتردد فى الفقرات القصيرة .
وفى أمم أخرى تُراعى القافية ، ولا يُراعى الوزن إلاَّ بالمقدار الذى يسمح بمساوقة الغناء والترتيل .
وفى الأمة العربية وحدها تم التطور ، فانتظم الوزن بتفعيلاته وأسبابه وأوتاره وروعيت فيه القافية ، وقامت صياغة الشعر فنًّا مستقلاًّ عن الغناء ، يُعرف بأسماء بحوره وقواعد أوزانه .
ولا يعزى هذا الفارق النادر ـ فيما يرى ـ إلى الحداء وحده أو إلى انفراد الحادى بالغناء ، بل يعزى إليهما معًا مقترنتين بتلك الحاسة السمعية التى تفرق بين مخارج الحروف ودقائق النغم .
والخلاصة أنه لا مراء أن فن الشعر قد تطور بين عرب الجزيرة قبل تطوره بين العبريين من القبائل السامية ، وبين اليونان من الشعوب الهندية الجرمانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *