فى مدينة العـقاد (726) الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين (11)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الشعر
( 1 )

لا يوجد أى شك بين الحداء والشعر في تطور تركيبه وتوفيق أوزانه وتقسيم أعاريضه ، لأن أوزان الشعر فى الجاهلية تنتظم فيها الأعاريض جميعًا مع كل حركة من حركات الإبل فى السرعة والأناة .

والحداء نفسه ـ فيما يقول الأستاذ العقاد , وكان شاعرًا وعالمًا بالشعر ـ مناسبة شعرية تستوحى الغناء بين الحنين إلى الموطن الذى بارحه الركب ، والأمل فى المنتجع الذى يتنقل إليه .
فلا نزاع إذن فى الصلة الوثيقة بين الحداء ووزن الشعر العربى .
والمرجح كذلك أن حداء الإبل كان له عمله المحسوس فى التزام القافية .
يقول الأستاذ العقاد :
« فالمشاهد من أشعار الأمم فى لغات متعددة أن القافية تُلتزم في الشعر المنفرد ، أى الشعر الذى يتغنى به ناظمه وراويه ، ويصغى إليه المستمعون دون أن يشتركوا فى الغناء ، ويُلاحظ هذا فى أغانى المنشدين الحماسيين أو المتغزلين التي يسمونها « Ballads بللاد » فى بعض اللغات الأوروبية ، كما يُلاحظ في الموشحة Sonnet التى يتغنى بها العاشق لمعشوقته فى البلاد اللاتينية حيث كان منشؤها الأول ، وقيل إنهم استعاروها من الموشحة العربية .
» وتهمل القافية غالبًا فى أناشيد الجماعات ، سواء كانت مسرحية أو دينية كما يُرى فى أناشيد اليونان والعبريين ، وسر ذلك ظاهر لمن يريد أن يختبره فى حالة الإصغاء ، أو حالة الاشتراك فى الغناء .
» فإن السامع المصغى إلى ترتيل غيره يحتاج إلى تنبيه السمع وانتظار مواضع الوقوف والترديد ، فيعرفها من القافية المتتابعة في مواضعها.
» أما المنشد المشترك فى الغناء ، فهو يعلم مواضع الإيقاع ومواضع الابتداء والانتهاء ، فيغنيه الاشتراك في الإيقاع عن انتظار مواضع الوقوف ، وعن تنبيه غيره له بالقافية إلى تلك المواضع ، وقد نتبين هذا الفارق فيما ننشده بأنفسنا ولو كان من الكلام المنثور, فإننا نتبع الوزن في هذه الحالة ولا يعنينا أن نترقب القافية ، بل لا يعنينا أن نترقب شيئًا غير الاسترسال فى النغم إلى نهاية الكلام كيفما كان منتهاه مُقَفَّى أو بغير قافية , شأنه في ذلك شأن اللحن الموسيقى الذى خلا من الكلمات ، فلا يُلتَفت فيه إلى غير امتداد النغمة حسب أوزان الإيقاع.
» وكثيرًا ما خطر لنقاد الغرب أن هذه القوافى والبحور في وزن الشعر خاصة من خواص الأمزجة السامية خالف الساميون بها الأوروبيين لمخالفتهم إياهم فى تكوين الفطرة وخصائص العناصر البشرية .
» لكنهم فهموا بعد تواتر البحث في أشعار اللغات السامية أن القافية غير مُلْتَزمة فى جميع تلك اللغات ، وأن كثيرًا من الشعر المنظوم فيها خال من البحور والأعاريض ذات التفعيلات المتكررة ، كأنه فواصل النثر التى تنقسم إلى جمل متقاربة ولا تنقسم إلى شطور متساوية فى حركات الأسباب والأوتاد على اصطلاح العروضيين .
» فلا بد إذن من البحث عن سبب غير الأمزجة العنصرية ، ولا بد أن يكون اختلاف الإنشاد هو سبب هذا الاختلاف بين العرب وسائر الشعوب السامية . فإن شعوب وادى النهرين ألفت أناشيد الكهان فى الهياكل فترخصت فى القافية كما ترخصت فيها الشعوب الآرية التى يتغنى فيها الناس مجتمعين ، وقد ألف العبريون العبادة معًا منذ كانوا قبيلة واحدة تنتقل بحذافيرها ، وتبتهل بحذافيرها إلى معبودها في حظيرة واحدة ، ولم تألف قبائل البادية العربية نوعًا من أنواع الأناشيد المجتمعة , فغلبت على شعرها أوزان القصيد المفرد وقوافيه.
» ويرى بعض علماء اللغات السامية أن الكلمة التى تفيد معنى الشعر فيها واحدة مأخوذة من أصلها العربى مع قليل من التحريف طرأ عليها بعد انتشار الساميين فى وادى النهرين وبادية الشام وأرض كنعان . ويقول العالم القس «الأب مرمرمجى» فى كتابه المعجميات : « إن لفظة الشعر كانت تدل قديمًا على الغناء وإن لم ترد بهذا المفهوم في المعاجم التى بين أيدينا ، ويمكن الاستدلال على ذلك بوسيلة المقارنة الألسنية السامية , إذ إننا نجده فى أقدم اللغات السامية من حيث الآثار المكتوبة , أى اللغة الأكدية , كلمة (شيرو) الدالة على هتاف الكهان فى الهياكل ، ومن الأكدية انتقلت اللفظة إلى العبرية بصورة (شير، وشيره) ومعناها النشيد ، ومنها صيغ الفعل المرتجل (شير) بمعنى أنشد ، رنم ، غنى , ومن ذلك جاء اسم سفر من أسفار العهد القديم وهو (شير هشيريم) أى : نشيد الأناشيد ، وقد ورد الفعل العبرى (شير) فى أقدم أثر للغة العبرية وهو نشيد النبية دبورت ، يليه مرادفه (زامر) وكلاهما بصيغة الحاضر (اشيره) أى : أنشد وأزمر . والجدير بالملاحظة كما أشار إلى ذلك « لانجدون Langdon » أن العبارة الأكدية (زامار شيرى) تطابق كل المطابقة العبارة العبرية (مزمور شير) ومفرداهما في العبرية (مزمور ، نشيد ، أو شعر) … هذا ومعلوم أن أغلب الأحرف الحلقية , ومنها العين , قد سقطت فى الأكدية ، أو أنها كانت تُلفظ دون أن تمثلها علامة فى الكتابة, لأن الرسم المسمارى المستعار للأكدية السامية من الشمرية غير السامية ـ كان خاليًا من العلامات للحلقيات ، لخلو الشمرية منها, ولهذا جاز لنا افتراض أن كلمة (شيرو) كان أصلها أو لفظها (شعرو) إلا أنها ولجت العبرية والآرامية وهى خلو من العين كما كانت مصورة في الرسم المسمارى ، أما العربية فقد ظهرت أو بقيت فيها العين الأصلية … على أن العربية والعبرية قد احتفظتا بالكسرة المحركة بها الشين في الأكدية (شيرو )، فجاء في العبرية (شير) وفى العربية (شعر) ، والكلمة (شيرو) مشتقة حسب معناها في الأكدية والعبرية أى معنى الهتاف ثم الغناء …» .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *