فى مدينة العقاد ( 725 ) الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين (10)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

كانت الكتابة أوضح المسائل التى امتحنت بها قدرة العبريين فى تاريخهم القديم على الإنتاج والتأثير فى شئون الفكر والثقافة ، وأوضح المسائل أيضًا التى امتحنت بواعثهم الفكرية التى تدعو الأمة المنتجة إلى ابتكار الوسيلة للإفضاء بما عندها لسائر الأمم .
أقام العبريون فى مصر عدة قرون وأقاموا فى سيناء عدة سنين .
ومن المعلوم أن الكتابة نشأت فى مصر بالصور ، ثم تطورت من الكتابة التصورية إلى الكتابة المقطعية ، ثم تطورت من الكتابة بالمقاطع إلى الكتابة بالحروف التى يستقل كل حرف منها بصوت يدل عليه فى كل كلمة .
وقد كان ينبغى أن يسبق العبريون غيرهم من القبائل السامية إلى اقتباس الكتابة على أنواعها ، ولكن الواقع الثابت أنهم لم يبدأوا قط عملاً من أعمال اقتباس الكتابة ولا من أعمال ترقيتها . كانوا مستنفدين يأخذون مما سبقهم ويتحجرون عليه ، حتى تقسرهم على تغييره ضرورات المعاملة ، فيسرى التغيير قهرًا ـ مع الزمن ـ إلى كتابة الشعائر والعبادات .
ويتتبع الأستاذ العقاد تاريخ الكلمات العبرية التى وجدت فى رسائل أمراء فلسطين إلى فرعون مصر منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد ، ثم الحروف العبرية التى وجدت على ضريح « ميشاع » ملك موآب . وظل العبريون يكتبون بهذا الحرف إلى أيام سبى بابل ، فنقلوا الحروف المربعة عن الحروف البابلية ، وزادوا عليها حروف الحلق التى كانت شائعة على ألسنة الساميين بين بابل وكنعان وكلها من مصدر عربى .
وحفظ المزمور التاسع عشر بعد المائة من المزامير بالعهد القديم ـ حفظ لنا أسماء الحروف التى احتوتها الأبجدية العبرية على عهد المملكة .
ومن آثار الاقتباس من النطق العربى ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن حرف الغين لم يكن موجودًا بين حروف المزمور ، فلما وُجد بعد اختلاطهم بمن ينطقون العربية ـ أضافوا هذا الحرف وسموه « غيمل » أى على وزن « جيمل » . ويلاحظ أنه على عكس « جيمل » التى تعنى الجمل عندهم ، فإن « غيلم » لا معنى لها غير المحاكاة اللفظية مقيسة إلى أقرب المخارج ، فكتبوها كما تُكتب الجيم وحذفوا نقطة الإعجام للتمييز بينهما .
ولما اتصلوا بأعاجم الشمال الذين ينطقون « الواو» « فاء » ـ نطقوها مثلهم وجعلوا لها حرفًا كالواو فى رسمه بعد إضافة نقطة الإعجام .
وكذلك كان الحال فى أخذهم بالسين الآرامية ، ونظرًا لعدم وجود حروف الثاء والذال والفاء والطاء بالعبرية ، جعلوا يقربون حروفهم مما أحدث الالتباس أحيانًا فى نقلها إلى
العربية .
ويضيف الأستاذ العقاد أن الكتابة العبرية نُقِّحت مرةً أخرى حوالى عصر الميلاد على هدى الكتابة الآرامية ، فلم تنجع الحيل في إحياء هذه اللغة التي قضى عليها بالموت لعزلتها وفراغها من مادة البقاء التى تكفل الحياة للغات بما تؤديه للعالم من رسالة إنسانية وعقيدة عامة ، ثم هدم الرومان هيكل بيت المقدس فتفرق الكهان فى الأرض واتخذوا اليونانية لغةً لهم فى مصر وأوروبا ، واعتمدوا على ترجمة التوراة إليها أو إلى الآرامية للذين تخلفوا عن الهجرة فى بلادهم ، وقد شاعت يومئذ تسمية الآرامية بالسريانية للتفرقة بين المتكلمين بها من المسيحيين ، والمتكلمين بها من أبنائها الذين لم يدخلوا فى المسيحية ، ثم اندمجت السريانية المتطورة بعد ذلك فى العربية القرشية على أثر ظهور الإسلام .
* * *
ولما كان القرن العاشر للميلاد ، أيقن أحبار اسرائيل ورؤساؤهم بضياع العبرية وقلة صلاحيتها للبقاء بالتعليم والتلقين فى نطاق المعابد المحدودة ، وذلك لخلو العبرية من القواعد والأصول التى تحفظ اللغة من جيل إلى جيل .
* * *
وتتلمذ العبريون على العرب فى علم الكلام الإسرائيلى أو فلسفة اللاهوت .
ولم ينبغ بين اليهود من الفلاسفة العالميين ، من هم أشهر من باروخ سنبوزا (1632 ـ 1677م ) الذى نشأت أسرته فى البلاد الألمانية ، ودرس ابن ميمون وابن عزرا فى صباه ، ثم خلفه المشتغلون بالفلسفة من اليهود بعد ظهور الفلاسفة الكبار من الألمان ، ولم يتجاوز العبريون فى ذلك دور المستفيدين الذين يأخذون ولا يضيفون .
وكانوا كلما اشتركوا مع العرب فى ناحية من نواحى المعرفة القديمة ـ تابعين مسبوقين ، ولم يكونوا قط سابقين أو مرشدين !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *