فى مدينة العـقاد (724) الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين (9)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

اللغة والكتابة

ويأتى داود عند العبريين ، بعد موسى عليه السلام فى مقام النبوة ، وهو رأس البيت المالك الموعود بالملك الأبدى فى هذا العالم ، المنتظر الخلاص على يد ملك من ملوكها يعود إلى صهيون إلى آخر الزمان .
ومع تكرار الإشارة بالقرآن الكريم إلى أن الصلة بينه وبين البلاد العربية متجددة كما يُفْهم من قصة ابنه سليمان مع ملكة سبأ ، إلاَّ أنه لم يتوفر من الوثائق ما يُسْتند إليه فى تقدير آثار هذه الصلة . ولكن المعلوم من الوثائق التاريخية التى سجلها المؤرخون الأوروبيون عن آثار اخناتون ـ تدل على أن المشابهة قريبة جدًا بين مزامير داود وصلوات اخناتون الذى دعا إلى التوحيد فى مصر القديمة .
وقد عقد كل من هنرى برستيت وآرثر ويجال Weigall مقارنة بين بعض الصلات وبعض المزامير فاتفقت المعانى بينهما اتفاقًا لا ينسب إلى توارد الخواطر والمصادفات ، ومن أمثلتها قول اخناتون :
« إذا ما هبطت فى أفق الغرب أظلت الأرض كأنها ماتت فتخرج الأسود من عرائنها والثعابين من جحورها » .
ويقابله المزمور الرابع بعد المائة وفيه : « إنك تجعل ظلمة فيصير ليل يدب فيه حيوان الوعر وتزمجر الأشبال لتخطف ولتلتمس من الله طعامها » ( المزامير 104 : 20 ) .
ويمضى المزمور قائلاً : « تشرق الشمس فتجتمع وفى مآويها تربض . والإنسان يخرج إلى عمله وإلى شغله فى المساء . ما أعظم أعمالك يا رب . كلها بحكمة صنعت . والأرض ملآنة من غناك وهذا البحر الكبير الواسع الأطراف … وهناك دبابات بلا عدد صغار من كبار . هناك تجرى السفن ، ولوياثان ـ التمساح ـ خلقته ليلعب فيه .. » .
« ومثله فى صلوات اخناتون : ( ما أكثر خلائقك التى نجهلها أنت الإله الأحد لا إله غيره . خلقت الأرض بمشيئتك وتفردت فعمّرت الكون بالإنسان والحيوان الكبار والصغار … تسير السفن مع التيار وفى جهة وكل طريق يتفتح للسالك لأنك أشرقت فى السماء ، ويرقص السمك فى النهر أمامك وينفذ ضياؤك إلى أغوار البحار ، وتضىء فتزول الظلمة … وقد أيقظتهم فيغتسلون ويسعون ويرفعون أيديهم إليك ويمضى سكان العالم يعملون » .
وأيًّا كان مصدر هذه المزامير المتشابهة فالواقع المقرر أن اخناتون سبق داود بأكثر من ثلاثة قرون ، وأن العبريين لم يُنشئوا هذا المذهب فى الصلوات الدينية قبل شعوب العالم فى جوارهم ، ولا فى غير ذلك الجوار .
* * *
ومن قبل موسى كان النبى العربى « أيوب » فى أرض تيماء يدين بالتوحيد وينكر عبادة الكواكب والأوثان ويدعو إلى المساواة بين الحر والعبد .
وشراح ومؤرخو العهد القديم متفقون على أن« أيوب » سبق موسى إلى نزاهة التوحيد ، ومن هؤلاء المستشرق مرجوليوث فى كتابه عن العلاقات بين العرب والإسرائيليين .
ويستطرد الأستاذ العقاد إلى ما حققه بعض المؤرخين زمان أيوب بما ذكره من مراصد الفلك .
* * *
وفى أيام موسى عليه السلام كان العبريون يحتكمون ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ « إلى نبى من العرب يقيم على نهر الفرات يسمونه بلعام ، ويظن بعضهم أنه مرادف لاسم لقمان ، ويقول سفر العدد إنه حكم للعبريين على الموآبيين وأيّد نبوءات يعقوب .
« وما لم يذكره العبريون فى كتبهم عن النبوءات فى بلاد العرب أنها أكثر مما ذكروه ـ فإنما عناهم فى سجلاتهم أن يذكروا التزكية والتأييد ، ولا يذهبوا مذهب الاستقصاء فى تسجيل جميع النبوءات التى سمعوا بها . وقد يكون هنالك ما لم يسمعوا به ولم يكن مما يرتضونه لو أنهم سمعوه .
« فليس سكوتهم عن هود وصالح وذى الكفل الذين ذكرهم القرآن الكريم بحجة على خلو البلاد العربية من الأنبياء غير من ذكروه ، وما كانت قبائل عاد وثمود لتخلو من رسـل الدين . وقد قام هؤلاء الرسل بالدعوة فى مدين وتيماء قبل الدعوة الموسوية ، وإنما أعرض العبريون عن ذكرهم لأنهم جعلوا مصيرهم بعد قيام مملكتهم مرتهنًا بمصير بيت المقدس وسكتوا قصدًا عن « الجنوب » بعد أن كانت قبلتهم كلها إليه » .
ومن المعلوم أن إبراهيم توجه إلى جيرار ، وأن موسى توجه إلى مدين .
ويقيت عادة العبريين فى التوجه إلى الجنوب إلى ما بعد قيام المسيحية .
أما تركيز القداسة فى أورشليم ، فجديد طارئ بعد أيام موسى عليه السلام بزمن طويل ، فقد بقيت أورشليم فى أيدى اليبوسيين بعد موسى بقرون عدة ، ولم يطردهم منها أبناء بنيامين ، وبعد أيام داود جاء « ملك » من ذرية إبراهيم يسمى « بهواش » ، فهدم سور المدينة وأخذ ودائع الذهب والفضة من خزائنها .
وإنما تحول القوم باتجاههم من الجنوب إلى بيت المقدس بعد ارتباط الهيكل بمصير بيت داود .
أما قبل ذلك ، فكانوا يستقبلون الجنوب ويلوذون به ويتعلمون منه ، ولكن الجنوب لم يأخذ عنهم شيئًا ، ولم تكن الدعوة المحمدية التى بعثت فى بلاد العرب فرعًا من هذا الأصل الذى لم يتأصل قط بالوحدانية ، ذلك أن الدعوة إلى رب العالمين لا تلتقى بدين العصبية المنعزلة ؛ وكانت نبوة محمد وقوامها الهداية مخالفة لطراز نبوات الإسرائيليين التى اختلطت بالتنجيم .

اللغـــــة والكتـــابـــة

يستهل الأستاذ العقاد هذا الفصل ببيان أن العبريين وفدوا من جنوب الجزيرة ـ على القول الراجح ـ إلى وادى النهرين ، ثم هاجروا من جنوبه إلى شماله ، وانحدروا ـ من ثم ـ إلى أرض كنعان ، وكانت لهم لهجة من لهجات اللغة السامية الكبرى قريبة من سائر هذه اللهجات التى كان يجرى الخطاب بها بين قبائل آرام وكنعان ، ويسهل التفاهم بها فى جملتها مع اختلاف المتكلمين فى القطر الواحد بين إقليم وإقليم .
وكلما ابتعد العبريون عن موطنهم القديم فى الجنوب ـ كلما ابتعدوا عن مصدرهم الأول فى اللغة ، وصاروا بعد هجرتهم الطويلة يتداولون من الأسماء والأعلام ما لا يفهمون معناه ، وهو فى لغة « سبأ » بجنوب الجزيرة مفهوم المعنى والمصدر . ويقول مرجوليوث فى كتابه سالف الإشارة : « ومن المحقق أن هذه الكلمات لم تأت من فلسطين إلى سبأ ، ولعلها قد جاءت من سبأ إلى فلسطين » .
وانعزلت لهجة العبريين عمن حولها كلما أمعنوا فى اعتزال الأمم بعبادتهم واعتقادهم أنهم يتفردون ـ دون غيرهم ـ بنعمة الله ورجائه ، بل واعتقادهم أن « يهوا » يحقق لهم هذا الرجاء بتدمير جيرانهم وتمكينهم من رقابهم .
وقد تحجرت اللغة العبرية فى هذه العزلة ، ومع هذا الحجر استطاعت أن تعيش فى إبان الشوكة والسيادة برعاية الملوك والكهان ، ولكن فى حدود المعابد التى يشرف عليها الكهنة ، ويضطرون خارجها إلى المخاطبة باللهجات السامية الأخرى تارة ، وباليونانية تارة .
وحين تحجرت هذه العبرية ، توقفت عن التطور وبقيت لهجة ساذجة قليلة العدة ناقصة التصريف .
ومن المسلمات المفهومة بين العارفين بالعبرية وبتاريخها ـ أنها أخذت من اللهجات السامية ولم تعطها شيئًا جديدًا من فنون التطور فى قواعدها وآدابها . فوقفت العبرية حيث بدأت ، وتركت اللهجات السامية واقفة فى مكانها وهى تتطور وتترقى إلى ما بلغته فى الأزمنة الحديثة . وصار قراء التوراة بالعبرية أقل عددًا من قرائها بأصغر اللغات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *