فى مدينة العـقاد (723) الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين (8)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الديـن

فيما عدا احتكار النعمة الإلهية وعزلة العصبية ـ لم يبدع العبريون شيئًا فى « ثقافة الدين » ، بل أخذوا كل ما أخذوه ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ ممن حولهم من العقائد الكبرى ، إلاَّ ما تصرفوا فيه بالخرافة والأحجية والشعوذة والطلسم والسحر على سذاجته الأولى بين القبائل البادية .
وكان أكثر ما أخذوه ـ فيما يرى ـ منقولاً عن القبائل العربية الكبرى بين اليمن فى الجنوب وقبائل الآراميين والكنعانيين فى الشمال .
فلم يعرفوا كلمة « النبى » قبل اتصالهم بكنعان فى الزمن الذى ظهرت فيه النبوءات العربية ، مما ذكره القرآن الكريم ومما ذكروه هم عرضًا فى أسفار العهد القديم .
يقول الأستاذ العقاد :
« وعرف العبريون نبوءات السحر والكهانة والتنجيم كما عرفتها الشعوب البدائية ،
وابتكروا منها ما ابتكرت على سنة الشعوب كافة ، واقتبسوا منها ما اقتبست بعد اتصالهم بجيرانها فى المقام من أهل البادية أو أهل الحاضرة ، ولكنهم على خلاف الشائع بين المقلدين من كتاب الغربيين قد تعلموا النبوة الإلهية بلفظها ومعناها من شعوب العرب ، ولم تكن لهذه الكلمة عند العبريين لفظة تؤديها قبل وفودهم على أرض كنعان ومجاورتهم للعرب المقيمين في أرض « مدين » .. فكانوا يسمون النبى بالرائى أو الناظر أو رجل الله ، ولم يطلقوا عليه اسم النبى إلاَّ بعد معرفتهم بأربعة من أنبياء العرب المذكورين في التوراة ، وهم ملكى صادق وأيوب وبلعام وشعيب الذى يسمونه يثرون معلم موسى الكليم ، ويرجح بعضهم أنه الخضر عليه السلام للمشابهة بين لفظ يثرون وخثرون وخضر في مخارج الحروف ، ولما ورد من أخبار الكليم مع الخضر عليهما السلام فى تفسير القرآن الكريم .
« ومن علماء الأديان الغربيين الذين ذهبوا إلى اقتباس العبريين كلمة النبوة من العرب الأستاذ هولشر Holscher والأستاذ شميدت Shmidt اللذان يرجحان أن الكلمة دخلت فى اللغة العبرية بعد وفود القوم على فلسطين ، إلاَّ أن الأمر غنى عن الخبط فيه بالظنون مع المستشرقين ، من يفقه منهم اللغة العربية ومن لا يفقه منها غير الأشباح والخيالات . فإن وفرة الكلمات التي لا تلتبس بمعنى النبوة في اللغة العربية كالعرافة والكهانة والعيافة والزجر والرؤية ، تغنيها عن اتخاذ كلمة واحدة للرائى والنبى . وتاريخ النبوات العربية التى وردت فى التوراة سابق لاتخاذ العبريين كلمة النبى بدلاً من كلمة الرائى والناظر. وتلمذة موسى لنبى مدين مذكورة فى التوراة قبل سائر النبوات الإسرائيلية ، وإن موسى الكليم ولا ريب لهو رائد النبوة الكبرى بين بنى إسرائيل » .
ومن يطالع الكتب المأثورة بين بنى إسرائيل ، يجد أنهم آمنوا بكل هذه النبوات ، وأنهم بعد ارتقائهم إلى الإيمان بالنبوة الإلهية ظلوا يخلطون بين مطالب السحر والتنجيم ومطالب الهداية ، ويجعلون الاطلاع على « الغيبيات » امتحانًا لصدق النبى . وفى أخبار صموئيل أنهم كانوا يقصدونه ليدلهم على مكان الماشية الضائعة وينقدونه أجره على ردها إليهم .
ويؤخذ من النبوءات التى نسبوها إلى النبى يعقوب جد بنى إسرائيل ، أنهم كانوا يعوّلون عليه فى صناعة التنجيم ، وضرب الأستاذ العقاد أمثلة لذلك مما شرحه الأستاذ « أريك بروز Barrows » فى كتابه عن تنجيمات يعقوب Oracles of Jacop .
* * *
وقطع فهم النبوة شوطًا طويلاً فى حياة القبائل العبرية ، وتتلمذوا فى كل مرحلة منها لأستاذ من هداة العرب كما جاء فى كتب التوراة ، وما جاء فى القرآن الكريم مما لم تذكره كتب الإسرائيليين .
وكل هذه الشواهد من التاريخ المعلوم ، تدل على سبق العرب إلى فهم النبوة والترقى فى الاستعداد إلى درجاتها المنزهة عن شوائب الوثنية .

إبراهيم وموسى وداود
يتعلمون

ما نعلمه من أسماء الأنبياء والأقوام الذين بعثوا إليهم ، لا يُحْصى كل الأنبياء جميعًا ، ولم تحصهم كتب الأديان الثلاثة : التوراة والإنجيل والقرآن . وفى ذلك يقول الله تعالى لنبيه محمد  : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ » ( غافر 78 ) .
وتدل سير الأنبياء فى التاريخ وكتب الأديان أنهم كانوا يتعلمون من عباد الله الصالحين .
وفى سورة الكهف بالقرآن الكريم عن موسى عليه السلام : « فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا » (الكهف 65 ـ 70) ، إلى آخر ما كان من موسى عليه السلام مع هذا العبد الصالح حتى الآية (82) من سورة الكهف .
وفى أخبار إبراهيم وموسى وداود بأسفار التوراة ، ما يشير إلى أنهم تتلمذوا لأناس من الأمة العربية .
ويروى سفر التكوين من التوراة فى إصحاحه الرابع عشر ، أن إبراهيم عليه السلام حين انتقل من بين النهرين إلى أرض كنعان تلقى البركة من « ملكى صادق » ، وأعطاه إبراهيم العشر من كل شىء ، قربانًا لله . ( التكوين 14 :17 ـ 21 ) .
ويقول الإنجيل عن « ملكى صادق » فى الإصحاح السابع من الرسالة إلى العبرانيين :
« لأن ملكى صادق هذا ، ملك سالم ، كاهن العلى القدير ، الذى استقبل إبراهيم راجعًا من كسرة الملوك وباركه ، الذى قسم له إبراهيم عشرًا من كل شىء » ( الرسالة إلى العبرانيين 7 : 1ـ 2 ) .
وجاء عنه بذات الإصحاح السابع من الرسالة إلى العبرانيين بأنه « مُشَبّه بابن الله . هذا يبقى كاهنًا إلى الأبد . ثم انظروا ما أعظم الذى أعطاه إبراهيم رئيس الآباء عُشْرًا أيضًا من رأس الغنائم » . ( الرسالة إلى العبرانيين 7 : 3 ، 4 ) .
فالتوراة والإنجيل معًا يصفان الكاهن الكنعانى « ملكى صادق » بصفة الرئاسة الدينية والخلود ، ويرفعانه إلى منزلة الكاهن الأبدى التى يتلقى منه إبراهيم بركة الإله العلى : إله السموات والأرض .
وعلى مقام ومكانة موسى عليه السلام بين الإسرائيليين ، جاء بسفر الخروج أنه تعلم من نبى « مدين » العربى الذى يدعونه يثرون وجوآب ، ويدعوه العرب باسم شعيب .
ففى الإصحاح الرابع من سفر الخروج أن موسى عليه السلام استأذنه فى العودة إلى مصر قبل رسالته : « فمضى موسى ورجع يثرون حميه وقال له : « أنا أذهب وأرجع إلى إخوتى الذين فى مصر لأرى هل هم بعد أحياء . فقـال يثرون لموسـى : اذهـب بسلام » ( الخروج 4 :18 )
وفى الإصحاح الثامن عشر بعد رواية أخبار موسى من ذهابه إلى عودته : « أن يثرون أخذ محرقة وذبائح لله ، وجاء هارون وجميع شيوخ إسرائيل ليأكلوا طعامًا مع حمى موسى أمام الله » ( الخروج 18 : 12 )
ومعنى هذا أن شعيبًا كان يقرب القرابين إلى الله ويتبعه موسى وهارون وجميع شيوخ إسرائيل .
ثم يستطرد الكتاب قائلاً : « وحدث فى الغد أن موسى جلس ليقضى للشعب فوقف الشعب عند موسى من الصباح إلى المساء . فلما رأى حمو موسى كل ما هو صانع للشعب . قال : ما هذا الأمر الذى أنت صانع للشعب ؟ ما بالك جالسًا وحدك وجميع الشعب واقف عندك من الصباح إلى المساء ؟ فقال موسى لحميه : إن الشعب يأتى إلىّ ليسأل الله إذا كان لهم دعوى يأتون إلىّ ، فأقضى بين الرجل وصاحبه وأعرفهم فرائض الله وشرائعه ، فقال حمو موسى له : ليس جيدًا هذا الأمر الذى أنت صانع . إنك تكل أنت وهذا الشعب الذى معك جميعًا . لأن الأمر أعظم منك ، لا تستطيع أن تصنعه معك . الآن اسمع لصوتى فأنصحك ، فليكن الله معك . كنت أنت للشعب أمام الله ، وقدم أنت الدعاوى إلى الله ، وعلمهم الفرائض والشرائع ، وعرفهم الطريق الذى يسلكونه ، والعمل الذى يعملونه ، وأنت تنظر من جميع الشعب ذوى قدرة خائفين الله أمناء مبعضين الرشوة ، وتقيمهم عليهم رؤساء ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات ، فيقضون للشعب كل حين ، ويكون أن كل الدعاوى الكبيرة يجيئون بها إليك ، وكل الدعاوى الصغيرة يقضون هم فيها ، وخفف عن نفسك ، فهم يحملون معك إن فعلت هذا الأمر وأوصاك الله تستطيع القيام ، وكل هذا الشعب أيضًا يأتى إلى مكانه بسلام ، فسمع موسى لصوت حميه وفعل كل ما قال ، واختار موسى ذوى قدرة من جميع إسرائيل وجعلهم رؤساء على الشعب ، رؤساء ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات ، فكانوا يقضون للشعب كل حين .. » ( الخروج 18 : 13 ـ 22 )
ومعنى هذا أن شعيبًا تقدم موسى إلى عقيدته الإلهية ، وعلمه تبليغ الشريعة وتنظيم القضاء فى قوه ، وأن العبريين كانوا متعلمين من النبى العربى ولم يكونوا معلمين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *