فى مدينة العـقاد – محمد على جناح (8)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

أسرة جناح وطفولته

      أسرة جناح من أصل برهمى ، أسلم أحد أجداده منذ قرن متحولاً من البرهمية إلى النحلة الإسماعيلية ، وشاءت الأقدار بذلك أن يكون جناح بتاريخه وتاريخ أسرته حجة على الحقيقة العظمى فى تكوين النفس الهندية ، وهى أن الدين شغـل فيه مكان كل عاطفـة عامـة .

    رأينا سلفًا ـ فيما يشير الأستاذ العقاد ـ كيف كان الزعيمان جناح وغاندى يتقابلان أو يتناقضان ، فى أساليب العمل ودوافع الحركة السياسية وفلسفة الحياة العامة والشخصية .

    وتبطل فى تفسير ذلك الحجج المستمدة من العنصر وخصائص الأجناس ، ذلك أن جناح برهمى فى تاريخه كالمهاتما غاندى فى أصوله ، وكانت ملامح جناح أقوى تمثيلاً للسمات الهندية وإمعانًا فى المحافظة على سحنة السلالة وقسماتها وشمائلها .

     كان جناح هنديًّا بين الهنديين رغم اختلاف العقيدة ـ والعادات بالتبعية ـ منذ ثلاثة أجيال ، فإذا بزعيم المسلمين يسمى « القائد الأعظم » وإذا بزعيم البراهمة يسمى « المهاتما » .

    وكأنما شاءت الأقدار ـ فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ أن يكون جناح بنحلته الدينية صالحًا للمهمة السياسية التى تصدى لها وقادته حوادث زمانه إليها .. ذلك أن القدرة على التنظيم وتوجيه الحركات السياسية قديمة فى الإسماعيليين ، فضلاً عن سماحتهم فى الإحاطة بالجمهرة العامة وكذا النخبة المختارة . وقد بلغت هذه السماحة غايتها فى عصر الجماعة الإسلامية والحرية الفكرية ، وبلغت غاية غاياتها فى جناح نفسه ، وانعكس ذلك فى سلوكه ومواقفه .

طفولتـه

    ولد محمد على فى 25 ديسمبر 1876 ، وهو الابن الثانى لأبيه ، نشأ فى أسرة برهمية أسلمت فى القرن الماضى ، وانتقل جده بعد فتنة سنة 1857 بخمس سنوات إلى بومباى ثم كراتشى ، وكان أبوه هو الآخر « بونجاجنة » الابن الثانى لأبيه وعمل واحدًا من مديرى شركتهم التجارية ، وكان معظم أعمالها فى تصدير الجلود وملحقاتها ، ثم لحق الكساد بالشركة من جراء القلاقل السياسية والأزمات الاقتصادية قبل أن يتم جناح تعليمه فى انجلترا نحو سنة 1897  .

     وبرغم قلة الأخبار المحفوظة عن طفولة محمد على ، إلاّ أن النزر القليل منها يدل على طفولة نجيبة مجتهدة ، وعلى ذكاء ألمعى يلفت النظر ، مما أوحى إلى أصدقاء أبيه من الطبقة الحاكمة أنه أهلٌ للتفوق فى التعليم العالى ، وأن مدارس الهند آنذاك لا تكفى لتثقيف ملكاته واستيفاء تعليمه ، واختار له أحد أصدقاء أبية دراسة الحقوق والعلوم الإدارية للزومها لمناصب الرئاسة فى الحكومة .

    وينقل لنا الأستاذ العقاد عن كتاب « نوادر مشرقة فى حياة القائـد الأعظـم » للأستاذ « صديقى » بعض القصص الدالة على أصالة الكياسة والأدب فى طبع الفتى ، وتبين أن كان وراء عارضته القوية محصول غزير من المطالعات ـ أسعفته فى استشهاداته بالكلمة الملائمة لساعتها .

حياته العامة

   قسم الأستاذ العقاد حياة « جناح » العامة إلى مرحلتين ، تناولت المرحلة الأولى تعدد نظم التربية التى تفتح ذهن الصغير قبل حصوله على إجازة التعليم الثانوى وهو فى السادسة عشرة ، ثم مراحل تعليمه فى مدرسة حديثة تابعة لجماعة إسلامية ، ثم فى مدرسة حديثة تابعة لجماعة مسيحية ، ثم تعلم فى الجامعات الإنجليزية ، وتلقى خارجها ما يتلقاه الشاب فى ذلك العصر من المعارف العامة الميسرة .

     وكان جناح محبًّا للمعرفـة متوسعًا منذ طفولته فى الاطلاع ، وكـان أوفـر الموضوعات نصيبًا من إقباله وعنايته دروس القانون والأدب ومراجع التاريخ سيّما من ناحيته السياسية .

      وإلى عنايته بتعلم القانون ، كان مغرمًا بالأدب ، فاشترك فى نادٍ يدرس أعضاؤه روايات شكسبير قراءةً وشرحًا وتمثيلاً . ومثَّل جناح بعض الشخصيات فى رواياته ، وراض لسانه وحركاته على الإلقاء المسرحى حتى لزمته هذه العادة فى مرافعاته وخطبه ، ولزمته عادة الإلقاء الفنى منذ أوائل أيامه فى الحياة النيابية إلى أخريات أيامه فى الزعامة وإقامة الدولة .

     ولم يكن هذا الإلقاء الفنى كل مكتسباته من دراسة الأدب والاندماج فى الجو الشكسبيرى أو جو الشعر المسرحى ، بل غنمت قريحته اليقظى مـن عـرض التاريـخ عرضًا حيًّا بما فيه من فوائد فكرية ونفسية ، وتجلت سرعة الشاهد الأدبى على لسانه فى مواقفه .

    وعرف بين زملائه حال دراسته بانجلترا بكثرة تردده على المكتبة ، وكان أول اتصال له بالحياة العامة نشاطه مع زملائه الطلبة الهنود فى ترشيحهم شيخ الهنود المقيمين بلندن آنذاك ـ مادا بهاى ناروجى ـ لإحدى الدوائر البرلمانية ، ووقر فى خلده من هذه التجربة أن المستعمرين تتغير آراؤهم تبعًا للون بشرة الشرقيين .

     وبقدر سخطه على « سلسبورى » الذى أخذ على الشيخ الهندى أنه من الملونين ، أعجب بجلاد ستون وضاعف إعجابه به انتصاره للقضية الأيرلندية التى كانت تثير نقمة الدولة ويحاربها فريق من الأحرار وكثرة من المحافظين .

    ويقول من سمعوا خطب « جناح » أيام الدعوة إلى الباكستان ، أنهـا تذكرهـم بخطب « جلاد ستون » أيام دعوته للحكم الذاتى للأيرلنديين الجنوبيين .

*       *        *

    ويرى الأستاذ العقاد أن المناوشات السياسية أثناء دراسة « جناح » بانجلترا ، عينت له المدرسة السياسية التى آمن بصلاحها لتوجيه وطنه ، وهى مدرسة المعتدليـن مـن أمثال « ناروجى » و« كوهيل » و« فيروز شاه » و« راناد » ، وكانت هى المدرسة التى تتوسط فى مسائل العلاقات بين الهنود والإنجليز وبين البرهميين والمسلمين من الهنود وبين التشبث بالقديم والشطط مع الجديد .

    وكان الامتحان الأول لجناح فى هذه السياسة ، أعسر امتحان يعرض للسياسى الناشئ فى أول حياته العامة ، وهو موقف الساسة الهنود وتباين نزعاتهم وآرائهم بشأن تقسيم البنغال ، وكان هذا التقسيم من معضلات الهند الشائكة التى لا يتأتى الحكم عليها بمقياس واحد .

   وخلاصة هذه المعضلة أن اللورد كرزون حاكم الهند آنذاك قرر تقسيم البنغال إلى إقليمين لكل منهما إدارة منفصلة عن الآخر ، وكان عدد سكان البنغال نحو سبعين مليونًا من البراهمة والهنود ، ويقيم المسلمون فى الأصقاع الشمالية ويضطرون لربط أعمالهم ومرافقهم بمدينة كلكتا عاصمة الإقليم كله ، وفى ذلك تعطيل لمصالحهم ويكرههم على إخضاع مصالحهم لفئة من ذوى اليسار البرهميين المسيطرين على العاصمة والأصقاع الغربية ، فإذا انتقلت العاصمة فى الإقليم الشرقى إلى « دكا » خفّت هذه السيطرة وتهيأت للسكان المسلمين فرص الاستقلال بالمرافق التجارية والاقتصادية ، وهكذا كان لورد كيرزون يعلل مشروعة فى تقسيم الإقليم الكبير .

   بيد أن هذه المسألة كان لها وجهان : ظاهر وباطن . وما تعلل به كرزون يوافق الظاهر المعقول ، أما الباطن المستور فكان الانتقام من ذوى اليسار الذين كانوا يؤيدون فى ذلك الوقت حركة الاستقلال والمطالبة بالحكومة الذاتية ، ثم هو ضربة مصوبة إلى الوحدة الوطنية ومثار للشقاق الدائم فى البنغال بين البرهميين والمسلمين .

   ومن عبر التاريخ وتقلبات أطواره ، أن بطل التقسيم الذى أقام الباكستان ، كان هو أشد المعارضين لتقسيم البنغال ، واتخذ هذا الموقف رغم اغتباط المسلمين بالتقسيم الذى اعتبروه خيرًا سيق إليهم بغير سعىٍ منهم .

   وقد ظن حكام الهند يومئذ أن الغنيمة أعظم من أن تُرفض وتكشف ما وراءها من مآرب الاستعمار ، فلم يكترثوا لإخفاء هذا المآرب ، ومضى رؤساؤهم يروجون للتقسيم ، ولكن « جناح » ، كان أقوى شكيمة من أن تقتاده الغنيمة صاغرًا ، فأيقظ المخدوعين بالطُّعم الذى يخفيه الصياد ، ولم يخسر « جناح » ثقة المسلمين بثباته على سياسة المدرسة المعتدلة فى معضلة البنغال ، لأنهم اعتقدوا إخلاصه وفهموا موقفه على حقيقته وأدركوا الغاية البعيدة التى ينظر إليها .

   هذا وبعد سنة من انتخابه للمجلس التشريعى الإمبراطورى ، وقع عليه الاختيار للوساطة بين النواب البرهميين والنواب المسلمين الذين اجتمعوا فى « الله أباد » للتشاور فى قواعد الوحدة .

   وفى سنة 1913 نُدب « جناح » للسفر إلى لندن لشرح المطالب الهندية ، فأنشأ فى هذه الرحلة جماعة مركزية بالعاصمة الإنجليزية لرعاية الطلبة الهنود ، ونُدِب مرة أخرى للسفر إلى انجلترا للنيابة عن المؤتمر فى عرض مقترحاته التى يُبْنى عليها انتخاب الأعضاء الهنود فى مجلس وزارة الهند .

   إلاَّ أنه فى سنة 1915 دخلت السياسة الهندية العامة فى طور غير طورها ، وكان مرجع هذا التحول وفاة الزعيم « جو كهيل » الذى كان مناط ثقة الجميع فى قضية الوحدة ودخلتالأمور فى طور آخر .  

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *