فى مدينة العـقاد – القائد الأعظم محمد على جناح (7)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الخلاف فى الأسس

     الواقع أن الخلاف بين جناح وساسة المؤتمر ، كان خلافًا فى أسس التكفير لا يقتصر فقط على قضية باكستان ، وإنما تناول السياسة الهندية فى كافة نواحيها ، ودون أن يقف عند القضية الإسلامية البرهمية .

     كان جناح يستنكر سياسة غاندى ولا يقتنع بجدوى « التنسك » ورفض الحضارة ومقاطعة الوظائف والمصانع والصناعات العصرية برمتها ، ويبدى أنه يريد حملة تقرب الهدف ولا تضرب صاحبها ، وذلك يكون بالوسائل السياسية والمقاومة « الفعالة » عند لزومها.

     ومن المتفق عليه أن غاندى على عظمته ، إنما هو رجل برهمى ، إذ كان « جينيًّا » من طائفة « الجينية » التى خرجت من البراهمة لإصلاح بعض معتقداتهم ، ولكن الأستاذ العقاد يطلق مسمّى البراهمة ـ وكما أبدى ـ على كل من ينتمى إلى الكثرة الغالبة من الهنود غير المسلمين . والواقع أن غاندى رجل برهمى فى كل قطرة من دمه وباعث من بواعث روحه ، وكل أساليبه ووسائله ومثله العليا وصيامه ومقاومته السلبية ودعوته إلى الاهمسا من صميم النحلة البرهمية .

     وطبيعى أن تستدعى هذه الزعامة المستغرقة فى البرهمية ـ زعامة أخرى تقابلها وتشبهها فى تمثيل قضيتها ، ولذلك لم تحل زعامة غاندى من قيام زعامة جناح أو من يحل محله.

     وكان استقلال رأى جناح يدفعه إلى مخالفة المؤتمر ومخالفة العصبة الإسلامية فى وقت واحد .

     كان يخالف المؤتمر فى سياسة غاندى المستغرقة فى البرهمية.

     وكان يخالف العصبة وجمهرة المسلمين فى حركة الخلافة التى كانت تلفظ آنذاك آخر أنفاسها ، واشتد حزنه لضياع الجهد فى حركة الخلافة فى غير طائل .

    وبينما لم ينحسم خلافه مع حزب المؤتمر ، فإن خلافه مع العصبة انحسم بانقضاء اللجاج فى مشكلة الخلافة ولزوم ألاَّ يجتمع على مسلمى الهند ضياع الخلافة وضياع الاستقلال .

الأمل الأكبر

    أدرك الشاعر الملهم محمد إقبال أن جناح قد خلصته الحوادث ومحصته التجارب ومحضته آراؤه وحصافته لمهمته الفريدة التى لا يضارعه فيها أحد من أبناء عصره ، فطفق إقبال يذكر أنه الأمل الأكبر لقيادة الحركة الإسلامية وبناء صرح الدولة المرجوة ، ويكتب إليه بذلك قبل أكثر من عشر سنوات من قيام الباكستان .

     وقد قيل بحق ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ إن الباكستان دولة خلق اسمها القانونى وألهمها ضميرها شاعر هو إقبال ، وأقام بنيتها قائد أو قائد أعظم هو جناح .

     وفى حديث لجناح إلى مجلة المصور المصرية قبيل نهاية سنة 1946 بأيام ، ذكر فيه المشابهات بين قضية الهند وقضية مصر ، وكذا المناقضات بينهما ، وأبدى فيما أبداه أنه إذا لم يتحقق الباكستان فى الهند ـ فإن الشرق الأوسط كله ـ وبخاصة مصر ـ سيكون فى خطر ـ من التوسع الهندوكى الاستعمارى المنتظر ، وطابعه أشد خطرًا وشناعة من الاستعمار البريطانى . واستطرد إلى بيان أن أعدل حل للقضية الهندية هو إيجاد دولتين هنديتين منفصلة إحداهما عن الأخرى : الأولى مسلمة فى الشمال الغربى ، والأخرى هندوكية فى الشمال الشرقى ، ويتبادل بينهما السكان حتى لا يكون فى أيهما قلة طائفية ، وعلى أن يقوم بينهما أساس للتفاهم المشترك وتبادل المعونة .

     وأوضح جناح أنه لا تعارض فى ذلك مع رضائه عن وحدة وادى النيل ـ ولا عن الاتحاد الكائن فى مصر بين مسلميها وأقباطها ، لاتفاق اللغة والعادات والتقاليد بين شطرى الوادى ، فضلاً عن الشعور والتشابه العجيب فى تكوين المصرى والسودانى ، بينما الاختلاف بين المسلمين والهندوكيين بالهند اختلاف فى كل شىء ، حتى فى الطعام ، حتى إن الهندوكى لا يريد للمسلم أن يأكل لحم البقرة التى يعبدها هو . هذا إلى أنه بين الإسلام والمسيحية تسامح ، أما الديانة الهندوسية فهى المتحكمة فى تسيير شئون كل حياة الهندوس ، وبينها وبين الأديان السماوية فوارق كبيرة جدًّا تحمل فى ثناياها كل أسباب النزاع والخصومة .

مهمة ليست سهلة

     لم تكن المهمة سهلة ، ولكن المهمة وجدت قائدها ، بينما وجد القائد مهمته .

     وخلال سنوات متتابعات أبانت الحوادث ما يلزم من العمل ومن يلزم لإنجازه ، وتمثل فى ذلك الأعجوبة القادرة فى قيادة القائد الأعظم محمد على جناح .

     وفيما يبدو للأستاذ العقاد ، أن قضية الباكستان كانت مهمة مهيأة لقيادة جناح ، ولم تكن مهمة ممهدة أو سهلة له أو لغيره من القادة .

     كانت المهمة عظيمة المصاعب ، ولكنها وجدت صاحبها المستعد لها والمقتدر على إنجازها بما اختص به من ملكات وصفات ، أهمها الصدق الصراح .

     أصحاب القلة من المسلمين فى أقاليم أشد حاجة إلى الدولة المستقلة ، ولكنهم سوف ينتقلون من بيئاتهم وموقع صباهم ومثوى آبائهم وأجدادهم ، وفيها جرت أرزاقهم .

     وأصحاب الكثرة من المسلمين فى أقاليمهم أقل حاجة إلى الدولة المستقلة ، ولكنهم يعاشرون قلة من البراهمة المتهوسين بالعصبية الدينية ، فيلمسون النقمة وقلة الأمان الذى تضمنه لهم الباكستان .

     والمسلمون أنفسهم فى مذاهب وطوائف .. سنيون وشيعيون وإماميون وإسماعيليون ، غير طائفة القاديانى أو طائفة الفرائض أو غير ذلك من طوائف الأئمة والدعاة .

     وهم على ذلك متفاوتون فى الغيرة والحماس ، وفى العمل للدولة الجديدة ، ويتساءلون عن الهدف والغاية ..

     هل تكون دولة مدنية أو دولة إلهية ؟ وهل يكون ذلك دفعة واحدة أو على تدرج وأناة ؟ وهل تُحكم عشائر البادية والجبال بحكم عصرى أم بنظامها الموروث ؟

    وكانت لغة التعليم والعبادة هى الأخرى مثار خلاف . هل تُفرض الأردية وحدها وتُلغى البنغالية ؟ أو تبقى البنغالية للتعليم والمعاملة فى بعض الجهات وتعم الأردية فى جميع الجهات ؟

     واقترنت هذه الدوافع والنوازع المضطربة ، بعوامل أخرى غير طبيعية بفعل تلفيق الدسائس والنفاق ، فكانت هناك جماعات إسلامية ظاهرها غير باطنها .. ظاهرها الخدمة العامة ، وباطنها الخدمة المأجورة للسياسة الأجنبية .

     وكان لافتًا أن يتعرض خادم الباكستان الأكبر فى هذا المعترك ـ لجريمة اغتيال لم يتعرض لها عدو من أعداء الباكستان .. جرت هذه المحاولة فى صيف 1943 وجناح عائد إلى بومباى من إحدى رحلاته ، فتربص به فتى من جماعة « خاكسار » ، وإذ لم يتمكن من الوصول إليه فى الزحام ، لاحق القائد إلى القصر الذى سيتناول فيه غذاءه ، واغتنم فرصة اقتحم فيها مجلسه وهجم عليه وهم بطعنه فى صدره بمدية أخرجها من طيات ملابسه ، ولكن إصابة جناح لم تكن قاتلة ، وطورد الفاعل وهو يصيح : « دعونى دعونى .. لست مأجورًا .. إن شيخى يأمرنى بقتله .. » .. وما أشبه ما بتنا نراه اليوم بالبارحة !!!

     وقد تبين فى محاكمة الفتى الذى قضى بسجنه خمس سنوات أنه ينتمى لجماعة « خاكسار » ، أى جماعة الأرضيين والترابيين الذين تسموا بهذا الاسم للتواضع وإظهار الفقر والمتربة ، ولهم نظام فاشى ونزعة شيوعية ، ورئيسهم « عناية الله المشرقـى » من خريجـى جامعـة كمبـردج .

     وتلك كانت بعض المصاعب التى كان على القائد جناح أن يعالجها ويصرف أذاها فى سبيل تأسيس الباكستان .

     كانت إذن مهمة غير سهلة ، وغير ممهدة ، ولكنها لم تكن كذلك فى نظر صاحبها ، فالباكستان يجب أن توجد مهما كانت المصاعب التى تعترضها ، لأن وجودها واجب لا محيد عنه .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *