فى مدينة العـقاد – تذكار جيتى (6)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

فاوست

   هذا الفصل لن يقدره حق قدره , ويقدر عبقرية الأستاذ العقاد فيه , إلاَّ من كابد وبذل الجهود المضنية لفهم « فاوست » العسيرة جدًّا على الفهم .. وإذا بالعقاد يأخذه إلى الشاطئ فى يسر وسهولة ومتعة وعمق فهم وتحليل , أتاح له ذلك عبقريته المشهودة , وعقله الفذ , ومعارفه الواسعة .. وهى مكنات لابد أن تتوافر فيمن يريد فهم رواية « فاوست » , وهى رواية يتوه تحصيلها فى غابة كثيفة بعيدة المنال , قد يدفع إلى تحملها والسير فى أدغالها نفحات قريحة جيتى ولمحات الجمال وعمق الأفكار المتفرقة التى تصادفه فى رحلته العويصة !

*            *           *

   وخرافة « فاوست » خرافة قديمة , يردها « هينى » إلى ما قبل غزو النورمان للبلاد الإنجليزية , ويقول إن الشاعر « روتبيف » ـ وهو من شعراء القرن الثالث عشر فى فرنسا ـ قد أخذها ونسج على منوالها فى إحدى منظوماته الصوفية .

   وخلاصة الخرافة أن « فاوست » هذا ـ كان رجلاً ورث عن عمه مالاً وتعلم كل علمٍ فى زمانه وتبحر فى حقائق الدين والطب والفلسفة والسحر والفنون السوداء , ولكنه لم يظفر من الحقيقة الكبرى بطائل , ولم يطلع على سرًّ لم يكن يعلمه .

   فاستولى عليه القنوط من المعرفة الإلهية , وأضاع ماله فى الشهوات , ونهك جثمانه فى المعاصى , وناهز الشيخوخة الفانية , وأدركته حسرة على شباب زائل لم يستنفذه كله فى المتعة والسرور , فبرز له الشيطان يغريه ويساومه على روحه وجسده , فقبل عرضه , وعقد معه عهدًا أمضاه بدمه , على أن يمد له الشيطان فى الشباب أربعة وعشرين سنة , ثم يأخذ منه روحه وجسده .

    فلما أطاع الشيطان , رجعت إليه الفتوة , فَفَجَر وفسق وقتل وظلم وجنى على الأبرياء , وتمادى فى كل غواية وفى كل رذيلة .

   هذه هى الخرافة القديمة , فلما جاء القرن الثامن عشر , تناولها الكاتب الألمانى « لسنغ » « لسنج » الملقب بملك النقاد , فأفرغ عليها روح وقيم ذلك القرن المتعطش للمعرفة والحرية , فقدم الطمع فى استجلاء الحقيقة واستطلاع أسرار الحس والنفس , على الإثم الذى يعاقب عليه المرء باللعنة الأبدية , وجعل كسب الرهان لحزب الله على حزب الشيطان , وأظهر هذه الخاتمة فى الفصل الأول الذى انتهى بصوت من السماء ينادى حين فرح الشيطان : « لن تفلح فيما تريد » .

   وعلى ذلك جرى جيتى فى روايته , فختم لفاوست ومرجريت بالخلاص ورد الشيطان بالخذلان .

نظم الرواية

   قضى جيتى زهاء ستين سنة , على فترات متفرقة فى نظم روايته المستمدة من الخرافة القديمة , ولكن الرواية كانت الشغل الشاغل لحياته , وكل ما عالجه « فاوست » من الشكوك والآلام والمحن والمعارف , إن هو إلاَّ صورة لما خالج نفس جيتى فى شبابه وشبيبته طوال رحلته .

   وطبيعى إذن أن تختلف مواطن الرواية وأن تختلف أزمانها , فدارت ما بين سويسرا وإيطاليا , وصاحب المؤلف أخيلتها فى ألمانيا , على حسب الحوادث التى صادفته والشجون التى اعترضته فى فصول الرواية التى جمعت بين القرون الوسطى والعصور اليونانية , ويشترك فى إدراكها فتًى فى العشرين وكهلٌ فى الخمسين وشيخٌ فى الثمانين .

    وهذا النطاق الواسع من الزمان والمكان والحياة , فى جيلين متعاقبين , أوسع فى موضوعه , لأنه موضوع النفس الإنسانية بين الفكر والعقيدة والهوى , وبين الفن والعلم والسحر , ثم بين اليأس والرجاء , والحرمان والغفران .

   وهذا الموضوع كبير عالجه فكر كبير , ولكنه أيضًا موضوع متفرق عالجه فكر متفرق , لأن الحقائق كانت عند جيتى أشتاتًا تُلاَحظ كل واحدة منها لذاتها وتُدّخر لذاتها .

   قال « هينى » فى وصف رواية « فاوست » : « إنها تشتمل على شذرات جميلة , ولكنها تشتمل إلى جانبها على أشياء لا يبرزها للدنيا إلاَّ من وقر فى خلده أن من عداه من الناس مغفلون » .

     ويصادق الأستاذ العقاد على هذا الرأى ، ويقرر أن الحشر فى الرواية كثير ، والتفكك فيها ظاهر ، والمحاولة الفنية فى سبك أجزائها ضعيفة ، وزاد جيتى على ذلك أن وضع فى الطريق أعشابًا لم يكن فيها نفع ولا لها ضرورة .

   ومع ذلك فهو يرى أن الحشو والإملال لا يحجبان أن الرواية صنعة قريحة عظيمة ، وأنها مرآة حياة واسعة غاصة بذخائر الفن والمعرفة والفهم العميق الرجيح ، ولن ينسى القارئ أنه يطلع فى الرواية على عبقرية نادرة ، ولكن كمن يذهب إلى الأهرام ليتفرج بالنظر إليها .

   ويرى الأستاذ العقاد أن الجزء الأول من الرواية أحسن حالاً بالنسبة لوحدة السبك ، لأنه يمس قلب الإنسان ويستجيش عاطفته بقصة الفتاة « مرجريت » التى وقعت فى حبائل الشيطان فجرها إلى الفسق فالقتل ثم العار فالسجن والجنون ، فالصورة التى رسمها جيتى لمرجريت ، تضارع أجمل الصور الإنسانية التى ابتدعتها الآداب فى جميع العصور .. وعلى هذه الصورة الحية تقوم الرواية ، وإلى هذه الصورة يُعزى النجاح الذى أصابته عند الجمهور .

   ومع أن الجزء الأول أحسن حالاً من ناحية التناسق والتنظيم كما ذكر الأستاذ العقاد ، إلاَّ أنه يرى أن فيه مناظر كاملة لا علاقة لها بنسق الرواية ، ومن طرائف ذلك ـ فيما يسرد ـ أن جيتى كان قد نظم أبياتًا يحمل فيها على ناقديه ، فلما تعذر عليه نشرها بالصحف ، وضعها بالجزء الأول للرواية بغير تمهيد ولا تفسير !

   أما الجزء الثانى ، فيرى أنه الفوضى بعينها ، يزيد عليها الغموض الذى لا ينتهى إلى طائل ، ذلك أن هذا الجزء كله قائم على قصيدة نظم جيتى بعضها قبل صدور الجزء الأول للرواية ، ونظم باقيها بعد صدوره ، ونشرها كلها ـ على حدة ـ فى سنة 1827 ، وسمّاها وهو يشعر بما فيها من خلط : « خيال الظل الكلاسيكى الرومانتيكى » ، ولكنه جعلها محور الجزء الثانى للرواية بما ألصق بها وأضاف إليها ، وهى قصيدة « هيلين » الفاتنة اليونانية التى دارت حولها فى الإلياذة حرب طروادة المشهورة .  

   أما الرموز الغامضة الشائعة فى الجزء كله ، فمثالها بناء « فاوست » « بهيلين » , وجيتى يرمز بذلك إلى الحضارة الأوروبية التى هى زواج بين الثقافة الإغريقية ويرمز لها ب « هيلين » وبين ثقافة القرون الوسطى التى هى « فاوست » .

    ومن رموزه ما كان هو نفسه لا يفهمه , ويتمثل الأستاذ العقاد تدليلاً على ذلك بحديث دار بين جيتى وصديقه « اكرمان » ,. ويعلق بأن هذا كان ربما أثرًا من آثار الولع بالأسرار , أو عَرَضًا من أعراض الشيخوخة يبدو على المفكرين عند الإحساس بقرب النهاية .

   وجيتى نفسه يقول بأن لكل عمر فلسفة , فالطفل « واقعى » , والشاب « خيالى » , والرجل « شكوكى » والشيخ « متصوف معتقد بالأسرار » , وأنه هكذا تجرى الدنيا وهكذا جرت , كالشيخ يجد السكينة فيما هو كائن وفيما كان وفيما سيكون .

   وحين نتذكر ولع جيتى بالخبايا فى صباه , لا نتعجب من النزعة التى نراها فى « فاوست » الثانية .

   وقد تكون للأشخاص فى روايات جيتى بنية قائمة وملامح مميزة , أما الحوادث فليس لها هذه البينة , وسبب ذلك أنه كان يأخذ الزمن ساعة بساعة والحوادث واحدة واحدة , ومن ثم ضاعت الوحدة فى الحوادث برواياته , ولم تضع الوحدة فى أشخاصه .

   ويشير الأستاذ العقاد إلى رأى للأستاذ « ارنست لشتنبرجر » شارح جيتى الشهير , ألمح فيه إلى قرب الشيطان من الإنسان , فنراه فى الحقيقة شيطانًا فلسفيًّا نما على جذور الشيطان فى القرون الوسطى , وفيه من عنصر اهرمان فى الديانة الزندية , وفيه ملامح مما قرأه جيتى فى أفلاطون وأرسطو والقديس أغسطين , ويمتزج ذلك بالأساطير وأقوال مفكرين وفلاسفة وكُتّاب مثل ولنج وبوهم وسودبنرج وليبنتز وشكسبير , وقد تبدو فيه أحيانًا لمحة من سبينوزا .

   يريد شتنبرجر أن يقول إن جيتى رسم صورة للشيطان كما تطورت من أقدم العصور إلى أن انحدرت إلى عصره بل إلى نفسه , وخلاصة هذه الأطوار تندمج فى تعريف الشيطان إلى نفسه ! وجيتى يماثل الشيطان الساخر أحيانًا كما يماثل بطله العالم الساحر طالب المتعة والفهم فى عالم الحس وعالم الفكرة , وكما يماثل فاوست الشاعر فى بعض حالاته ويماثل الشيطان فى بعض حالاته الأخرى , وقد يماثل ثلاثةً معًا فى حالة واحدة .

    إن جيتى قد تغنى فى مطلع « فيرتر » بمتعة الحاضر ..

   وتغنى فى ختام « فاوست » بجمال اللحظة الحاضرة ..

   وأوحى إلى « فاوست » أن يناشد اللحظة العابرة أن تقف بين يديهلأنها جميلة , فعبرت لا تصغى إليه !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *