فى مدينة العـقاد – تذكار جيتى (4)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

المرأة فى حياة جيتى 

     يقدم الأستاذ العقاد لهذا الفصل بقالة جيتى : « الأنوثة الأبدية تجذبنا إلى السماء » .. مُقرًّا بأن شأن المرأة فى حياة هذا الشاعر الفيلسوف ، أَجَلّ من أن يعبر عنها فى ترجمة وجيزة كشأن هذه الرسالة عنه .

     فهو لم يفرغ يومًا من الحب وذكرياته ، فأحب طائفة شتى ، لكل منها صفاتها ، وأَفَدْنَه فى أدبه وسريرته ، واتخذ من بعضهن بطلاتٍ لقصصه .

     وقد كانت سليقة جيتى فيما يورد الأستاذ العقاد ـ سليقة الشاعر المحب للمرأة المُهيأ للعاطفة ، ولهذا كثر عشقه وتعددت عشيقاته .

     ولأن الإحصاء يطول ، اختار الأستاذ العقاد خمسًا رأى أنهن الأظهر أثرًا فى سيرته والأطول صحبةً لذكراه : « شارلوت بف » و« أنا اليصابات شونمان » و« البارونة فون شتين » و« بتينا برنتا نو » و« كرستيان ڤلبيوس » .

*             *            *

     أما « شارلوت بف » فهى صاحبة قصة « آلام فيرتر » ، وهى مثال الفتاة الألمانية المهذبة الوديعة الصالحة للبيت والبنين مع ميل للسرور البرىء .. ماتت أمها وهى فى السادسة عشرة ، فقامت مع أبيها على تربية أخوتها الصغار وعرفت فى البلدة باسـم « أم الأطفال الحسان » ، وقد ناءت بما تحمله فنشأت على الجد والرصانة منها إلى اللعب والمرح ، ورآها جيتى حين جاء إلى « فتزلار » سنة 1772 للتدرب على المحاماة ، فشغف بها حبًّا وإعجابًا بحسنها وحبها للطبيعـة وإصغائها للأدب والفكاهة السهلة السموح ، ولأنها كـانت مخطوبـة لفتى آخر اسمه « كستنر » موظف بإحدى السفارات ، وأنسب للزواج من الفتاة التى تثقلها أعباء البيت ، لم يجد جيتى أمامه سوى أن ينسحب ويتوارى بآلامه ، فى غير جلبة ولا غضب .

*             *            *

     أما « أنا اليصا بات شونمان » ، فإنها التى أوحت إلى جيتى بعض مناظر الجزء الأول من رواية « فاوست » ، وأهمها شخصية « مرجريت » بطلة الرواية ، وقد خلد جيتى هذه الفتاة باسم « ليلى » فى أغانيه الشجية ، وقال عنها لصديقه « اكرمان » أنها الأولى والأخيرة التى انطوى لها على أصدق الحب .

     عرفها فى فرانكفورت بعد ثلاث سنوات من فراقه لشارلوت بف ، وكانت عابثة لعوبًا تلهو بالحب والمحبين ، شبهها جيتى فى قصيدته « حديقة ليلى » بأنها أشبه بالساحرة اليونانية التى جاء بالأساطير أنها كانت تمسخ من تحب حيوانًا سلس القياد يقع فى حبها حيث تشاء ، وبعد استعراض ظروف كل منهما وبعض ما كتبه عنها ، أورد الأستاذ العقاد أن العقبة الكبرى التى واجهتهما كانت فيهما ، لا والده ولا والدها ، فلا هى كانت تجد فى طلب الزواج ، ولا كان « جيتى » يجد فى طلبه ، وهكذا ظل الشاعر الفيلسوف مترددًا حتى أنقذته دعوة أمير « فيمار » فَلبَّاها لرغبته فى الإفلات ، أكثر من الرغبة فى اللياذ بالأمير .

*             *            *

     وما استقر جيتى فى « فيمار » ، حتى أخذ يتسلى عن هذه الخيبة بمعشوقة جديدة ، هى « البارونة فون شتين » ، إلاَّ أنها كانت وافية الأنوثة وليست بصبية غريرة ، وتكبره بنحو سبع سنوات ، وخبرت الدنيا وخفايا قلوب الرجل والمرأة ، وجمعت إلى خبرة السن خبرة البلاط حيث كانت إحدى الخواتين (جمع خاتون وهى المرأة الشريفة) ، وكان زوجها أمين القصر الأميرى ، وجمعت إلى هاتين الخبرتين خبرة الفهم والفن والاطلاع ، وطالت صلة الحب بينهما عشر سنوات ، تعددت خلالها التقلبات ، وعبرت عنها الكتابات المتبادلة بينهما ، وبقى هذا الغرام يحتدم ويسكن حتى نيفت المعشوقة على الأربعين ، ووقع جيتى فى شباك غرام جديد ، وارتضيا ـ بعد ممانعةٍ منها ـ بالود الدائم بعد الغرام الزائل .

*             *            *

     أما « بتينا برنتانو » ، فهى من سلالة إيطالية من ناحية أبيها ، وقد حفظت فى كتابٍ لها أحاديث لجيتى ولأمه لا غنى عنها فى شرح ترجمته ، وربما كان الأصح أنها عشقت جيتى ولم يكن لها بعاشق ، عشقته وهو فى الثامنة والخمسين وهى فى مقتبل الشباب ، وقد أزعجته بحماسها ورعونتها وفرط غيرتها ، وكانت هذه الرعونة أو « الشيطنة » الصبيانية ثقيلة عليه بعد أن جاوز الشباب وأوشك أن يجاوز الكهولة إلى الشيخوخة ، فاغتنم فرصة للإعراض عنها دون أن يستجيب لتوسلاتها ، ولولا كتاباتها عن جيتى لصح أن يغفل الأستاذ العقاد ذكرها ـ فيما قال ـ فى هذه الكلمة السريعة .

*             *            *

     أما « كرستيان ڤلبيوس » ، فهى الزهرة التى تغنى بها جيتى ، وانتهت علاقته بها إلى زواج وعشرة رضية ، كانت فى الثالثة والعشرين وهو فى التاسعة والثلاثين حين التقيا ، فراعته وراعها واتصلت بينهما المودة ، ونقلها وأمها إلى منزله بعدما ولدت له أكبر أبنائه الذى سماه « أوجست » على اسم الأمير . بيد أنهما لم يتزوجا إلاَّ بعد ثمانى عشرة سنة من لقائهما ، حين أغار الفرنسيون على بلاده فأشفق أن يموت أحدهما على غير وثيقة مشروعة.

     وكانت « كرستيان » على قسط وافر من الصباحة ، وكان يغنيها العطف عن الفهم ، إلاَّ أنها لم تكن من الجهل الذى صورتها به ـ للغيرة ! ـ « بتينا » و« البارونة فون شتين ».

     وامتزجت الفتاة بقريحة جيتى فأثبتها فى روايته الكبيرة « ولهلم ميستر » باسم تريزه ، وفاض بالقصائد الغنائية والخواطر العذبة عنها ، وكانت أيامه معها أخصب أوقاته وأسخاها بالشعر والبحث .

     إلاَّ أن الناس نقموا منه أنه أسكنها بيته ، وإن لم ينقموا منه أنه اتصل بها ، وربما كان ذلك لكراهتهم المسائل المكشوفة ، أو لأن الفتاة كانت من طبقة وضيعة ، ومع ذلك تسامح معه أصدقاؤه المقربون ولم يهجروا بيته ، وكان الأمير فى مقدمتهم وأشرف على تعميد وليدهما .

     وقد رزق جيتى بخمسة أبناء ماتوا فى طفولتهم الباكرة ، عدا أكبرهم « أوجست » الذى نيف على الأربعين ومات فى إيطاليا فى أخريات أيام أبيه ، فتجرع الشيخ مرارة هذه الوجيعة وصبر عليها جهده ، وانصرف إلى أحفاده الثلاثة .. يعلمهم ويداعبهم ويتأسى بملاحظتهم .

     أما « كرستيان » فقد ماتت وهى فى الحادية والخمسين وهو فى السابعة والستين ، ولم يحزن جيتى لفقد أحد كما حزن لفقدها ، ولم يجزع فى موقف قط مثل جزعه على سرير موتها .

*             *            *

     قال « إميل لودفيج » فى ترجمته لجيتى ، إنه لم يكن قط بالمغوى الجميل أو الظافر الفخور بغزواته فى الغرام ، وإنما كان المتوسل أبدًا والمولى الشكر والعرفان أبدًا ، وأكثر ما كان السائل المردود لا السائل المقبول ، وإنما نقترب من فهم الأساطير الذائعة عن عواطفه وتركيب أعماله وقصة روحه كلما عرفنا فيه الرجل المسلّم المنقاد وعرفنا فيه إرادة الحب التى لا تروى ولا تزال تروض نفسها حتى تنتهى بالخضوع لحقائق الوجود.

     ويرى الأستاذ العقاد أن فى حياته سرًّا آخر فحواه أنه لم يُخلق لحب النزوات ولا لحب الاقتحام والإغواء ، وإنما خلق لحب الفنان المتذوق المستطلع المتأملٍ ، زيادة على طبيعة التسليم التى تكره الهجوم وتؤثر مشقة الاحتمال ، فإذا اقتضاه الأمر صبرًا وانتظارًا فهو الصابر المنتظر !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *