فى مدينة العـقاد – تذكار جيتى (3)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

حياة جيتى 

     تناول الأستاذ العقاد حياة جيتى ، ثم المرأة فى حياته ، بالقدر اللازم للتعرف على مؤلفاته وموضوعاتها ومراميها ، ودراسة حياته ومعالمها البارزة ، يتواصل ـ فى إطار التعرف على الفيلسوف الشاعر ـ مع ما قدم به الأستاذ العقاد عن النفس الألمانية ، وعن الحرية الفنية فى الأمة الألمانية .

      على عكس ما تمناه « جيتى » ، عمّر ثلاثة وثمانين عامًا ، كانت بداياتها متعانقة مع الربيع بوروده ورياحينه ، وفى أحضان الجمال .. من طفولته الأولى ، وحتى نهاية حياته ، وكان هذان الرافدان حاضرين فى أعماله ، وفى حياته أيضًا ، حتى إنه أراد خطبة فتاة فى التاسعة عشرة بينما هو فى الرابعة والسبعين ، فلما أعرضت عنه تشفّع إليها وإلى أمها بتباريح الهوى ، ولما أصرت الفتاة على الرفض راح يعانى براح الغرام وينظم قصائـد الغزل !

     وقد ظلت الحياة يانعة لقريحته كما ظلت يانعةً لقلبه ، فأثمرت شجراتها أطيب الثمار فى الفن والعلم والشعر والأدب  .

      يصفه الأستاذ العقاد بأنه ربيع دام فى هذه الأرض نيفًا وثمانين عامًا ، يخصب كما يخصب الربيع ، ويجدب أيضًا كما يجدب الربيع ، وهو ربيع الطبيعة والفن معًا .

      ولد جوهان ولفجانج جيتى ( جوته ) بمدينة فرانكفورت فى 28 أغسطس 1749 ، من سلالة فيها الحائك والحداد والبيطرى والضابط والتاجر ، وشب فى بيت لا تقارب فيه بين الأبوين فى السن أو المزاج ، إذ كان أبوه جافيًا شديدًا فى النظام حريصًا على وجاهته ولقبه الذى اشتراه بالمال ، بينما كانت أمه طروبة ضحوكة ، فورث عن أبيه ـ كما قال ـ قوة الخالجة والشك والتطلع ، وعن أمه المرح والخيال وحب الحياة !

      وتعلم فى طفولته الأولى ـ على أبيه فى معظم الأحوال ـ اللاتينية والإيطالية والفرنسية ، ولما نشبت وهو فى السابعة ـ حرب السنوات السبع بين النمسا وبروسيا ، انحاز كأبيه فى جانب « فردريك » الكبير ، ولما احتلت فرانكفورت فرقة فرنسية تساعد النمسا على بروسيا ، واحتل قائدها منزل جيتى ، غنم الطفل الصغير من هذا الاحتلال فائدة جمّة بالتلقى عن قائد الفرقة الضابط المثقف الذى كان يحب مجالسة الأدباء ورجال الفنون ، وأتيح للصغير أن يشهد المسرح الفرنسى الذى كان يرافق الجيش .

     وفى الثانية عشرة ، أخذ جيتى يتعلم الرياضة والموسيقى والتصوير واللغة الإنجليزية ، واخترع قصة يعيش أبطالها فى ممالك مختلفة ويكتب كل منهم إلى صحبه بلغة بلده ، فحذق جيتى هذه اللغات وفتن بأساليبها .

      وأدت به قراءة التوراة إلى دراسة العبرية ، ونظم الشعر فى قصة يوسف وأخوته ، وكان يملى ما ينظمه على زميل من صنائع أهله ، فظل الإملاء عادة لازمته فى حياته ، وقد ترك بيت أبيه وهو فى السادسة عشرة إلى جامعة « ليبزج » ليدرس الشريعة ويزور المتاحف ويمارس التصوير ، ويلهو أحيانًا ويجرب الهوى والهجر والغيرة ، حتى وهن جسمه وأصيب بنزيف شديد أوشك أن يقضى على حياته .

    وسنحت له الفرصة الفراغ لدراسة الكيمياء القديمة والسحر والطلاسم مع بعض الأطباء ، وخرج من مباحثه تلك بمتعة الفنان وتأمل الفيلسوف .

     أتم دراسته بالجامعة وهو فى الثانية والعشرين ، وراح يتدرب على المحاماة فى « فتزلار » ، معانقًا الحب كدأبه ، فالتقى بالفتاة « شارلوت بف » التى أحبها ووصف حبه إياها فى قصته « آلام فيرتر»  .

     وقد شاعت القصة وذاع اسم مؤلفها بين العلية والمتأدبين ، وفى طليعتهم « كارل أوجست » أمير « فيمار »  الفتى المحب للفنون ، وتكررت دعوته لجيتى إلى عاصمته ، وكان من أسباب تلبية جيتى لهذه الدعوات حادث غرام ورغبة فى هجر المحاماة ولو إلى حين ، لنفور ألمّ به منها ، أشار إليه فى رواية « فاوست »  .

*       *       *

     كان أمير « فيمار» محبًّا للأدب مشجعًا للآداب الألمانية ، ومن غرائبه أنه أمر بأن تُجمع له مكتبة عن كل ما كتب عن الحب بضروبه وأشكاله .

      وقد عَرَفَ كل من الأمير ، وشاعرنا الفيلسوف ـ عَرَفا بعضهما معرفة البصير الناقد والصديق الشاكر للفضائل المتسامح فى العيوب ، وتوثقت بينهما صداقة دامت مدى حياتهما ، وفى عاصمة الإمارة الصغيرة تولى « جيتى » مناصب الوزارة العالية ، وتقلب فى أعمال شتى منها ما اتصل بالثقافة والتمثيل ، ومنها ما كان فى الزراعة والمعادن والحرب ، ووالاه الأمير برعايته فلم يبخل عليه بشىء يتوق له ، وظلت بينهما هذه المحبة الصافية حتى قضى الأمير نحبه ، وأحس جيتى تغيّر الحال فاعتزل جميع هذه الأعمال ، وإنْ بقى اسم « فيمار » عظيمًا لديه بين البلدان يحف به سحر الطبيعة وسحر الشعر وسحر المأثورات .

     وهذه القرية : « فيمار » هى التى أوى إليها الشاعر الفيلسوف من 5 نوفمبر 1775 إلى اليوم الذى مات فيه ، يداول بينها فى الإقامة وبين « يينا » القريبة منها  .

     وقد عاش جيتى فى عصر الثورة الفرنسية ، ولقى نابليون أعظم رجال الدول فى زمانه ، ولكن يمكنك أن تحذف ذكر الثورة بأسرها دون أن تختل معك قواعد ذلك التاريخ ، وكذلك لقاءه بنابليون ، بيد أنك لن تستطيع أن تلغى لقاءه بالأديب « هردر » أو الشاعر « شيللر » ، بل لا تستطيع أن تحذف لقاءه بإحدى الحسناوات التى غذته بغذاء الأرباب من نور العيون ووهج القلوب .

     ويرى الأستاذ العقاد أن أعظم حوادث التكوين والتوجيه فى حياة هذا العبقرى المعمّر ، إنما كانت فى سنواته العشر الأولى ، لا فيما أعقبها من سنوات الشبـاب أو الكهولة أو الهِرم .

    ففى سن السادسة ، وقع زلزال لشبونه ، فطال فيه جدال الناس فى العدل الإلهى ، وسقطت بذور الشك فى ضمير الطفل اليقظ المستريب .

       وفى سن السابعة نشبت الحرب بين النمسا وبروسيا ، فسمع عنها فى بيته كل ما يقال عن مطامع السياسة وحركات الشعوب  .

      وفى سن العاشرة شهد التمثيل الفرنسى ورأى مظاهر القوة الفرنسية .

       وكانت كل هذه الأصول واضحة فى جيتى الشيخ وهو ملقى على سرير الموت ، ومات هذا الشيخ فى مولد الأرض وعُرْس الربيع وهو يطلب المزيد من النور ، ويهتف بمن حوله وهو يجود بنفسه « افتحوا النافذة ليدخل النور » .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *