فى مدينة العـقاد – تذكار جيتى (2)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

نبذة عن الحرية الفنية

فى الأمة الألمانية

 

     هذه النبذة لمزيد من الفهم والتوطئة ، وخلاصتها أن الدنيا لا تخلو من فكرتين تتصارعان كما يقول « هيجل » فيلسوف الألمان ، والغلبة الكاملة فى هذا الصراع مستحيلة ، ومن ثم يجب تذكر هذه الحقيقة حين نتحدث عن تداول المدارس الفنية فى الأمة الألمانية ، حيث لم يبق الغالب كل البقاء ، ولم يزل المغلوب كل الزوال .

     وقد كان من أثر ذلك أن تنوعت الأساليب بين المدارس المختلفة : الرومانية ، والمدرسية ، والفرنسية ، والمستقلة ، والزوبعية التى شاعت بعض الشيوع فى جيل « جيتى » .

    ويمكن إيجاز هذه الأساليب فى اثنين يتداولان الغلب من أقدم عهود الفن فى الأمة الألمانية ، وهما الأسلوب اليونانى البسيط المعروف « بالكلاسيكى » ، والأسلوب المجازى المركب المعروف « بالرومانتيكى » والذى استولى على الذوق الألمانى فى القرون الوسطى إبان عصر النهضة والإصلاح ، ثم ضعف سلطانه رويدًا رويدًا بعد فتح القسطنطينية ووقود الرهبان ورجال الفن الهاربين من فتح الترك ، وحاملين معهم كتب الإغريق وبقايا آدابهم الخالصة .

     وفى مجال التفرقة بين الأسلوبين أو المدرستين ـ سيما فى النحت والتصوير ـ اختصر الأستاذ العقاد مسماهما فى « البسيطة » و« المجازية » ، وقد وصفهما الشاعر الألمانى المبدع « هنريك هينى » فى كتابه الشيق عن البلاد الألمانية بقوله : « إن الفرق بينهما هو أن الصور والشخوص فى الفن القديم تمثل أصحابها والفكرة التى عناها الفنان ( كإنسان فى رحلات الأوديسى المعنى بها رحلات ابن « لايرتس » وزوج « بنيلوب » والذى اسمه « أوليس » ـ وكذلك تمثال باكوس القائم فى متحف اللوفر ) ، أما الأسلوب المجازى فغير ذلك فى مغازيه ( جمع مغزى ) : إذ رحلات الفارس تنطوى على كنايات خفية وتشير إلى ضلالات الحياة ومتاهتها فى جملتها ، والتنين المقهور إنما هو الخطيئة ! وشجرة اللوز التى تزجى بشذاها من بعيد إلى البطل الهائم ، إنما هى ثالوث الأب والابن والروح القدس : ثلاثة فى واحد .. إلخ » .

    ويعقب الأستاذ العقاد بأن تفرقة « هينى » بين مدرستى القرون الوسطى ، يسرى بعض السريان إلى فروعها فى العصور الحديثة .

    ويتوقف عند حال الألمان بعد حرب « الثلاثين » التى خرجت منها البلاد الألمانية منهوكة العزم موهنة الرأى ، وما أدى إليه ذلك ، ثم تماسك الألمان وعودة الثقة إليهم ومعها بوادر الوحدة والعصبية .

     ويرجع الفضل فى النهضة الألمانية الحديثة إلى أدباء كثيرين ، منهم تمثيلاً لا حصرًا : « جوتشيد » الذى نقى التمثيل فى ألمانيا من السخافات ، و« لسنغ » أو « لسنج » الداعية الموفق إلى أسلوب الإغريق وأسلوب الابتكار ، و« نكلمان » مؤرخ الفن القديم ، و« فيلاند » مطلق الخيال الألمانى ومسدد خطاه ، و« كلوبستك » ملتون الألمان ، و« هردر » الذى نهج بجيتى على النهج القويم فى فهم اليونان وشكسبير والعودة إلى مآثر التيوتون ، وكلهم سابقون لجيتى فى الميلاد بزمن قصير .

     على أن المدرسة التى يحسن بنا ألاَّ ننساها ، إنما هى التى عرفت باسم « الزوبعية » التى راجت رواجًا كبيرًا إبان نشأة « جيتى » ، وهى مدرسة جامحة لا تذعن لقيد قديم ولا حديث ، وكانت رواية « جوتز » التى ألفها « جيتى » فى شبابه إحدى ثمار هذه المدرسة .

 

*            *            *

     ويقر الأستاذ العقاد بأن هذه اللمحة العاجلة جدًا عن تاريخ الحرية الفنية فى الأمة الألمانية فى عهد « جيتى » ـ هى فقط بمثابة تصوير اتجاه لمجرى النهر دون تصوير فروعه وقنواته وجداوله ومدنه .

     على أن شيئًا واحدًا يمكن ذكره فى كل هذه الأحوال ، هو أن الأغانى والأساطير القومية وأحاديث الأبطال الغابرين ، كانت تصاحب النهر دائمًا فى كل مجرى وكل قناة ، وأن « جيتى » نفسه كان سليل هذه العناصر .

*            *            *

     ومن تمام الحديث فى هذا السياق ، تعرض الأستاذ العقاد لحالة القصة والتمثيل قبل أيام « جيتى » ، لأنه ساهم مساهمة غير قليلة فى إصلاح التمثيل والتأليف للمسرح .

     فأما القصة ، فقد كتب فيها بعض الأدباء النابهين بعد حرب الثلاثين واتخذت من الفروسية العارمة المقتحمة موضوعًا لها يناسب القلاقل والمخاطر التى كانت فاشية فى تلك الأيام ، ثم ركدت فترة لاستيعاب القصص الإنجليزية « روبنسون كروزو » والاسبانية « دون كيشوت » ـ وقد أدرك « جيتى » القصة الألمانية وهى على هذه الحال تتراوح بين العظات والفنون .

     أما التمثيل ، فقد أصلح فيه « جوتشيد » و« لسنغ » أو « لسنج » و« نكلمان » ـ ما تيسر لهم إصلاحه ، وإن بقى مع هذا فنَّان لا فنًّا واحدًا كما عند الفرنسيين والإنجليز ، ثم تولته عناية الأمراء والأدباء رويدًا رويدًا حتى ارتقى بعض الارتقاء .

     وتبقى بعد ذلك كلمة واجبة عن العناصر الشرقية التى اتصل بها « جيتى » وأثرت فيه بعض التأثير ، الأمر الذى يعنى أن للعربية فضلاً لا يُنكر فى تثقيف « جيتى » وتغذية خياله ، لأن آداب العرب وصلت إلى الألمان فى العصر السابق لعصر « جيتى » عن طريق الترجمة من العربية إلى الألمانية ، وعن طريق الآثار التى تُرجمت من الإنجليزية والأسبانية ، فكانت ذات تأثير واضح فى تثقيف « جيتى » وتغذية خياله ، منها على سبيل المثال مدينة الرحلات لسندباد ، وأسطورة حى بن يقظان فى الفلسفة ، واللتان ظهرتا قبل « روبنسون كروزو » و« دون كيشوت » ، فضلاً عما تأثر به القصص والأدب الألمانى من الأمثال المعروفة عند الأندلسيين ، والكثير من شعر الأندلس وأوزانه ، مما مازج عبقرية « جيتى » أو مازجته تلك العبقرية العظيمة لشاعر الألمان وفيلسوفهم الكبير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *