فى مدينة العـقاد – تذكار جيتى (1)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

 

     لم يكن « تذكار جيتى » ( جوته ) ، الفيلسوف الشاعر الألمانى ، الذى أصدره الأستاذ العقاد عام 1932 ، والمُعاد نشره عدة مرات ، هو أول اهتماماته بالفلاسفة والمفكرين الغربيين ، وقائمة هؤلاء ـ قبل تذكار جيتى ـ قائمة طويلة تناولناها تفصيلاً بالمجلد الأول للمدينة ، وألمحنا إلى بعضها بإشارات سريعة فى المقالات الثلاثة السابقة ، الأمر الذى يورى باستمرار الأستاذ العقاد فى متابعة الخيط الذى استهل به حياته الفكرية والأدبية ، من اهتمام حاضر بالفكر والفلسفة ، وأعلامهما فى الشرق والغرب .

     فى هذا الإطار الذى استمر موصولاً حتى وفاة الأستاذ العقاد فى مارس 1964 م ، يأتى كتاب « تذكار جيتى » ، وفيه نرى ما درج عليه الأستاذ العقاد من تعمق عريض بصدد كل ما يتناوله .

     يقدم لموضوعه بالحالة العامة للعصر الذى بزغ فيه « جيتى » .. ففى هذا العصر ثارت الكنيسة على الطبيعة ، ثم ثارت القلعة على المدينة ، ثم ثارت المدينة على القلعة ، ثم ثار الفرد على المدينة .

     كان سلطان الطبيعة عظيمًا فى كل أرض ، وأكثر عظمة فى موضع التقاء الشمال والجنوب .

     وسلطان الكنيسة كان عظيمًا فى كل أمة ، وكان أعظم فى الأمة التى قامت عليها
« الدولة المقدسة » وسيطرت عليها الكهانة إلى أن انتفضت ثورة الإصلاح .

     وسلطان القلعة كان عظيمًا فى كل بلد ، وأعظم ما يكون فى البلاد التى قسمها الأمراء إلى دويلات ، انقسمت بدورها إلى أقاليم ، طال فيها عهد الإقطاع حتى صار توقير النبلاء دينًا إلى جانب الدين .

     وسلطان الدولة كان عظيمًا فى كل دولة ، ولكنه كان أعظم فى دولة « المدن الحرة » التى استقلت فيها المدينة بالمصالح والنظم والدساتير .

     أما ثورة الفرد على المدينة ، كانت أغنى بمسائل البحث فى البلاد التى خرجت فيها النزعة الفردية بمزيج من ثورة الطبيعة وثورة الكنيسة وثورة القلعة وثورة المدينة فضلاً عن ثورة الأفراد .

     وكان التاريخ فيما فسره « هيجل » بحق ، فى نظره للأمة الألمانية ، صراعًا دائمًا بين فكرتين تتصارعان وتتغالبان لتحل واحدة محل أخرى حتى تتصدى لها فكرة جديدة تزيلها أو تحل محلها ، وكانت النفس الألمانية ميدانًا بقيت فيه آثار هذا الصراع بين الغالب والمغلوب ، حتى ليقال إن الإنسان صار أشبه بالثورات ، وهو ما ينصرف إلى « جيتى » ( جوته ) فيلسوف الألمان وشاعرهم الكبير .

 

النفس الألمانية

 

     قدم الأستاذ العقاد لبحثه ، بتناول النفس الأسبانية المعدودة لغزًا خفيًّا باختيارها ، بينما اشتهر الألمان بالتدين والفلسفة والسحر والموسيقى والأناشيد والأحلام ، وترجع كل سمة من هذه السمات فى قرارها إلى الإيمان بالغيب والولع بالأسرار .

     ولك أن تقول ـ فيما يرى ـ إن التدين والفلسفة والسحر إخوة ثلاثة يختلفون فى العرق والحسن والطهارة .

     فالغيب الذى يبحث عنه التدين هو سر القلب والضمير .

     والغيب الذى تبحث عنه الفلسفة هو سر الفكر والبصيرة .

     والغيب الذى يبحث عنه السحر هو سر القوى الجاهلة والغرائز العمياء .

     وقد ترى للسحر نوعين يختلفان أشد الاختلاف فى الأصل والدلالة ، السحر السطحى والسحر الخفى ، ولكنه فى الحالين لا يتوخى سوى البحث عن علاقات الظواهر .

     أما السحر الآخر وهو سحر البواطن ، فإنه فلسفة خاطئة ، لأنه يتعدى المحسوسات إلى ما ورائها ويتغلغل من السطوح إلى الأعماق ، ولكنه يضل الطريق ويستهدى بغير هداية القلب والضمير أو هداية الفكر والبصيرة .

     وقد كان السحر الآخر ـ هو سحر الألمان فى القرون الوسطى ، وطال بهم التصديق بالسحر إلى أن بدأ عهد الفلسفة الحديثة فى القرون الأخيرة .

*            *            *

     والموسيقى ، لا سيما الألمانية ، هى أقرب الفنون إلى البواطن والأسرار ، وقـد كـان « جيتى » يقول : « لا تقرأوا أناشيدى ولكن غنوها فتكون أناشيدكم » ، فالألحان لديه ولدى الألمان هى سبيل الاتصال بين الأرواح .

*            *            *

     وفى هذه « الباطنية » ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ تعليل لكثير من النقائض التى تظهر فى « روح الشعب الألمانى » ، ولا سيما فى فهمه للحرية والوطن والجامعة القومية .

     فقد طلب الشعب الألمانى حرية الدين قبل غيره من شعوب أوروبا ، ولم يطلب الحرية السياسية إلاَّ فى مؤخرة تلك الشعوب .

     ولا ريب ـ فيما يرى ـ أن هذه النزعة الباطنية هى أحد الأسباب القوية لذلك .

     ذلك أنه لما كان الظلم يوصد على الألمان باب الضمير ، لم يطيقوا الصبر عليه .

     والشعوب التى تستغرقها « الدنيا الظاهرة » ـ يحرجها الظلم إذا أخذ عليها المسالك فيدفعها إلى التمرد وطلب التغيير . ولكن لما كانت « الدنيا الظاهرة » لم تستغرق الألمان ، فإنه كانت له مندوحة من « حياة الروح » يطلب عندها العزاء ، أملاً فى السماء ، أو رُقْية فى السحر ، أو سلوى من الفلسفة .

     وهنا فيما يرى ـ وجه المقابلة بين الألمان وبين الفرنسيين الذين هرعوا إلى الديمقراطية ولكنهم لبثوا مع الكنيسة التى دان لها أجدادهم .

     أما الألمان فقد خرجوا على كنيسة الأجداد ، وأبطأوا فى تلبية الديمقراطية .

     وهذا هو الفارق بين روحى الشعبيين .

*            *            *

          وإلى ذلك يجب الالتفات إلى أن الجرمان كانوا قبائل شتى ودويلات كثيرة تخضع للدولة المقدسة الكبرى .

     ويجب الالتفات كذلك إلى أن مبادئ الديمقراطية حين وصلت إلى ألمانيا ، كانت مبادئ عدوها المغير عليها المذل لكبريائها ، ومن ثم لم يكن عجيبًا أن يتلقاها فلاسفة الألمان بالفتور والإعراض .

     وجدير بالذكر أن السبب المتصل بجميع هذه الأسباب ـ يكاد يحتويها كلها فى « حرب الثلاثين » المشهورة التى دمرت ألمانيا فى الشمال والجنوب وعطلت البحث والأدب فى جيلين متتاليين .

     وهكذا اختلف الروح الألمانى فى مظاهر الحرية ومعانى الوطنية والعصبية اختلافًا غير يسير ، فكان له نمط فذ من الاستقلال والشعور بالحقوق ، لا يمكن لنا فهم أمة الألمان إلاَّ إذا فهمناه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *