فى مدينة العقاد ـــ العـقاد فى رحاب الفكر والفلسفة ( 2 )

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

مطالعات فى الكتب والحياة 

      تضمنت هذه المجموعة التى صدرت سنة 1924 ، بحوثًا فكرية وفلسفية سابقة تاريخًا على صدور المجموعة ، تحدث فيما تناوله فيها عن « عبقرية الجمال » ، حديثًا يتعانق مع ما كتبه فى مقدمة « المطالعات » عن الجمال والحرية ، وقد عقب عليهما الدكتور جابر عصفور بكتابه « من أعلام التنوير » منوّهًا بأن الجمال والحرية شكلتا عند العقاد قيمتين تمثلان حجر الزاوية فى إبداع العقاد وفى فكره على السواء .

       وعن « الحرية والفنون الجميلة » ألمح الأستاذ العقاد إلى أن الإنسان مسوق إلى حب الجمال حين يحبه بدافع من نفسه بلا سلطان لأحدٍ عليه ، وأن التعلق بالجمال يبلغ بصاحبه مبلغًا لا يبلغه بغيره  . 

      وأتبع العقاد بذلك ، مقالاً نشره بالبلاغ فى مارس 1924 ، ضمه إلى مجموعة « المطالعات » عن المعرض السنوى الجديد للوحات والصور الفنية ، لافتًا إلى أن الإنسان
لا يحيا الحياة الكاملة ، إلاَّ إذا أشبع حسه مما يحيط به من آيات الجمال ، فهذه
ـ فيما يرى ـ هى الحياة .

 

بين الفلسفة والفلاسفة

 

     يستطيع الباحث فى مدينة العقاد ـ كما أبدينا بالمجلد الأول ـ أن يرى اتجاهًا واضحًا من البواكير ، للعناية بفلسفة الجمال والحرية ، وأن يلمس اهتمامًا بقراءة وآراء كبار الفلاسفة ، رأينا بواكير ذلك فى « خلاصة اليومية » ، ورأيناه يعرض لبعض آراء الفيلسوف شـوبنهور فى كتاب  « الإنسان الثانى ـ أو المرأة » ( 1912 ) ، ورأيناه فى مقالات مجموعة « الفصول » ، يتعرض لفلسفة المعرى ، ويكتب عن « أطلال المذهب المادى » ، وعن دارون و« مذهب النشوء والارتقاء » وعن نيتشه وفلسفته ، وعن المهاتما غاندى ، وعن جوستاف لوبون وكتابه « سر تطور الأمم » ، ورأينا فيما عرضناه من مجموعة « مطالعات فى الكتب والحياة » ـ اهتمامه ببيان آرائه فى « فلسفة الحياة والأدب » ، وفى « فلسفة الجمال والحب » ، ويتحدث عن « عبقرية الجمال » وعن المعارض الفنية ، وعن « قيم الحرية » ، ويتعرض بالتفصيل والتقويم لماكس نوردو وفلسفته وكتاباته ومؤلفاته ، وكتابه فى « الأخلاق وتطور الإنسانية » ، وكتابه « الاضمحلال » أو الانحطاط ، وكتابه « الأكاذيب المقررة فى المدنية الحاضرة » ، ويحمل على فكرته وإعلائه « دين المنفعة » ، ويتحدث عن نيتشه ، ولمبروزو ، ويعاود الحديث فى « فلسفة المعرى » ، والحديـث عـن « فلسفة المتنبى » ، وعن هذه الفلسفة بين فلسفات كل من نيتشه ودارون ، ثم أناتول فرانس ، وعمانويل كانت .

       ومن الموضوعات الفكرية اللافتة التى ضمنها « المطالعات » , ما كتبه العقاد من أكثر من تسعين عامًا , عن « القرائح الرياضية والتدين » .. وفيه يرى أن « الذهن الرياضى » أقرب الأذهان إلى التدين والإيمان بالغيب , وأبعدها عن رد العقائد إلى « علل » الأشياء الخارجية . ولا محل لاستغراب ذلك , فكثيرًا ما يلاحظ ميل جهابذة المهندسين إلى التصديق « بالرُّقى » و« التعاويذ » وانخداعهم أحيانًا « بترهات » الدجالين وأباطيل السحرة والعرافين , وتوسلهم بالأولياء والأشياخ فى قضاء لباناتهم كما تفعل العامة .

     ويورد العقاد تفسيرًا للظاهرة ـ لا تبريرًا لها ـ أن معلومات الإنسان تنقسم من وجهتها العامة إلى قسمين : حقائق خارجية , وحقائق ذهنية . فأما الخارجية فيعنى بها ما يقابل كلمة ( Objective ) , وهى الكلمة التى توصف بها الحقائق المستفادة من ملاحظة الأشياء الخارجية وتمحيصها ويدخل فيها علوم الطبيعة ومحصلة المشاهدات التى يقوم عليها البرهان بالاستقراء .

    أما « الحقائق الذهنية » فهى التى تقابل كلمة ( Subjective ) , والتى تصف الحقائق التى يقوم عليها البرهان « بالبديهة » , ولا يتوقف العلم بأولوياتها على المشاهدة والاستقراء , ومنها أصول « الحقائق الرياضية » , وأصول « المنطق » , و« الفلسفة الإلهية » , ويلحق بها كل ما هو وجدانى لدُنّى من المعرفة والفنون حتى الموسيقى .

    وهكذا فيما يرى ـ تتآخى فروع هذه الحقائق أحيانًا وتتآلف العلوم التى تبحث فيها وتتقارب الملكات لدى المشتغلين بها , ولا يندر أن نرى ما يجمع بين الرياضة والفلسفة والموسيقى , كما نرى فى الفارابى وفيثاغورث وابن سينا , وأينشتين صاحب فلسفة « النسبية » فهو إلى جوار العلوم الرياضية ـ فيلسوف وموسيقار بارع فى العزف على القيثار .

    فاعتماد الرياضيين على البديهة أكثر من اعتمادهم على الحس والملاحظة , فكان موقفهم أمام المجهول موقف من يسلم به فرضًا ولا يستبعد فيه شيئًا , وهذا سر اختلاط تدينهم بالميل إلى تصديق الخفايا والمعجزات وما شاكلها , وقد أشتهر بذلك أعلام من الرياضيين مثل « أوليفر لودج » الإنجليزى , و« فلامريون » الفرنسى , و« أديسون » الأمريكى , ومع ذلك تفانوا ـ سيما الأول والثانى ـ فى إثبات أسرار الروح وكشف غوامض وإماطة الحجاب عن الغيب .

      هذا وقد ضمت مجموعة « المطالعات »ـ فيما ضمت ـ مقالات للأستاذ العقاد عن « اناتول فرنس » وفلسفته , و« عمانويل كانت » وحياته وعمله فى الفلسفة , وهى مقالات أتت فى إطار عكوفه على الفلسفات والفكر والآداب والفنون الغربية , تَمَثَّلَها وأَخْضَعَها لسلطان عقله وهو يتأملها ويحللها وينقدها , وأطلق على أناتول فرانس أنه رائد« الدعوة الشكوكية »  التى انفردت بها فرنسا فى الزمن الأخير , بعد أن أخرجت أمثال ديكارت وفولتير ورينان وغيرهم .

     رأى الأستاذ العقاد أن أناتول فرانس حمل لواء الشك فى عصر الشكوك , وجعل حقيقته هى الحقيقة العليا بأسلوب رائع ونفس مطمئنة , تدل على أن الشك لا ينتزع من طبيعتها انتزاعًا , وإنما هو من معدنه الذى يجود به عفوًا , والذى تجلى فى فلسفة الجمال , وفلسفة النسبية , وما ترجم له العقاد من « حديقة أبيقور »  , إنك لا تجزم برأى فى « كنه الوجود » , فهو أكبر من أن تحده بخيالك . وسيان بعد ذلك أن تقبل أو ترفض الآراء فى الأخلاق والأديان , فأنت على مسافة واحدة من الخطأ والصواب . قل مع « أقريطس » , فى المأدبة التى أقامها الكاتب فى رواية « تاييس » .. « إن كان حقًّا أن الفضيلة قد ذهبت من هذا العالم ذهاب الأبد , فماذا يعنينى من ذلك , وأى أثر له فى سعادتى وما كان وجودها أو ذهابها من اختيارى ؟ إن الذين يجعلون سعادتهم فى أيدٍ غير أيديهم لهم الحمقى والمجانين ! … » .

     إن فرانس يحبذ إلى جوار مقولة « أقريطس » ـ مقولات « نفياس » , وغيره , ويبدى سراب الجهد الذى بذله أتباع « زينون » ليسموا بأنفسهم إلى رتبة الآلهة , فالحق أن الضفدع التى نفخت نفسها لتصبح كالثور فى ضخامته ـ قد أتت بآية معجبة من « آيات الفلسفة الرواقية ! »  .

     إننا لا نزال نثبت وننقض بالظن , ونرفض ونرجم بالظن , ونجادل بالظن فى كل ما تحتويه الحياة !! أليس للحياة ثابت تستقر عليه القدم ؟! نعم لها بر ثابت , ولكن أين ؟ فى عالم الإحساس .

      لا معرفة إذن فيما يريد فرانس أن يقول , إلاَّ فيما تحسه , ولا حقيقة لك إلاَّ الشعور . فاشعر بكل ما فى الحياة من لذة وألم , ومن متعة للفكر والجسد , واستوف حظك من شعورك تنل كل ما تخوله لك هذه الدنيا من معرفة .

    وهذه الحقيقة المباركة المنجية ـ فيما يقول ـ منطوية فى جميع الديانات , وهى أن للناس قائدًا هو القلب أجدر بالثقة من العقل , والأولى بنا أن نصغى إلى ما يمليه القلب . القلب يقودك إلى الأمل فى المستقبل , فلا تكذبه , ودعه يستمتع بهذا الشعور ـ ويمتعك به ـ بما يبعثه من أمل ..

    والشعور هو مادة الحياة , والعقل زيادة طارئة .. وقد ردد أناتول فرانس هذا الرأى بشتى الأساليب فى مواضع شتى ..

     وتعرض العقاد للفليسوف الألمانى الكبير« عمانويل كانت » وعمله فى الفلسفة , وما انطوت عليه فلسفته وزبدتها , وآرائه فى قضية أصل الوجود والاعتقاد بالله , وفى قضية الأخلاق , وأنه برغم « جفاف » و« صلابة » فلسفته وندرة « الطلاوة » فى صياغتها إلاَّ إن فلسفته ربما كانت أنفع لبعض العشاق فى عصرها ـ من أغانى الشعراء وقصص الغرام .

   ويفصح العقاد عن أن عقل « كانت » كان أعجوبة من الأعاجيب فى صحة القياس وضبط الحكم وجودة النظر فى الدقائق والجلائل .

 

مراجعات فى الآداب والفنون

 

    ويلفت النظر فى هذه المجموعة التى صدرت عام 1926 , سباحة العقاد فى عوالم فكرية وفلسفية شتى , فكتب عن الزهر والحب والأشكال والمعانى , وعن معنى الجمال فى الحياة والفن , وعن أصل الجمال فى نظر العالم , وعن علم الأخلاق لأرسطو الذى ترجمه أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد .

    ونراه فى كتابه عن حكيم المعرة « رجعة أبى العلاء » (1939) , يقارن بين التشاؤم عنده وعند شوبنهور , ويفيض فى بيان فلسفته .

 

فى المذاهب

وفلاسفة الحكم فى العصر الحديث

 

    رأينا فى المجلد الأول للمدينة كيف كتب العقاد عن الحكم المطلق فى القرن العشرين , وعلاماته فى أسبانيا وتركيا وإيطاليا , وعن بسمارك وبونابرت , وليتناول بعدها عام 1950 : « فلاسفة الحكم فى العصر الحديث » : جورج سوريل , وباريتو , وجايتانو موسكا , وروبرت ميشيل , وجيمس برنهام , وفردريك أوجست فون هايبك , وجراهام والاس .

     هذه محض إشارات عن الإرهاصات الفكرية والفلسفية عند العقاد , وليبدو من هذا الاستعراض الوجيز معالم بدايات هذه العقلية الفذة التى أبحرت ـ كما سوف نرى ـ فى كل أبواب الفكر والحكمة والفلسفة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *