فى مدينة العقاد – العـقاد فى رحاب الفكر والفلسفة (1)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      بدأت إرهاصات اهتمامات العقاد الفكرية والفلسفية منذ البدايات ، ولم يمنعه عمله بالصحافة وطبيعة مادتها ، ولا اهتماماته الوطنية والسياسية ، ولا ما خاضه من معارك ـ من مولاة اهتمامه بالفكر والحكمة والفلسفة .

      وبدت جذور هذه الاهتمامات واضحة فى أعماله الأولى وهو فى صدر الشباب ، وقد رأينا بالمجلد الأول لمدينته ، ما تناوله فى أعماله الأولى من موضوعات فكرية وفلسفية ، واهتمامه بأعلام هذا المضمار العالميين والعرب والشرقيين بعامة والإسلاميين . وظهرت هذه الإرهاصات الفكرية فى مجموعاته الأولى بدءًا من « خلاصة اليومية » التى صدرت عام 1911 وهو لا يزال فى العشرين ، وأتبعها بعد الإنسان الثانى ـ أو المرأة ـ إصدار 1912 ، بالشذور التى ضمت إلى خلاصة اليومية وصارتا  « خلاصة اليومية والشذور » .

      وقد رأينا بالمجلد الأول لمدينة العقاد ، أنه عكف رغم أزماته ومتاعبه الصحية والنفسية ، على القراءة فى كتب « الفلسفة المادية » ، والنظر الطويل فى مذهب « النشوء والارتقاء » وبدأ منذ سنة 1910 يكتب فى فلسفة هذا المذهب ، ويكتب فى « خلاصة اليومية » عن الفيلسوف « فيورى » ، فيرى فيه الباحث الذى لا ينشد غير الحقيقة ، وصَدَّرَ « خلاصة اليومية » بحكمة أبدى أنها تدور على محاور ثلاثة : أن كل ظواهر الكون نتيجة تفاعل القوى المختلفة وكذلك الاجتماع البشرى ، وأن اللذة والألم ـ أو المنفعة والضرر ـ هما الدعامتان اللتان تقوم عليهما أخلاق البشرية ، وأخيرًا أن الإنسان حيوان راقٍ ولكنه مع ارتقائه لا تزال فيه « بقايا حيوانية » ، بيد أن ارتباط الفرد بواجبات وأصول جبرية ، سيما فى المجتمعات الراقية ، هو الذى لم يتركه مسترسلاً مع أهوائه وشهواته الحيوانية ، واضطره بحكم البيئة ـ والتجربة ـ إلى الضغط على عواطفه لتنصاع لأحكام العقل .

      ووضع يده على أن منشأ التعصب ، يحدث حين تجاوز العقائد دوائرها لتدخل فى المصالح والمعاملات ، وأكثر ما يحدث ذلك فى الأمم المتأخرة بسبب جهل العلاقة الحقيقية بين « الأسباب والمسببات » و« العلل والمعلولات » ، وامتزاج العاطفة الدينية بغريزة حفظ الذات .

    ولم تخل هذه المجموعة الأولى « خلاصة اليومية » من الانعطاف على الجمال ومحركات الجلال ، وأن الجمال مظهره القدرة ، والجلال مظهره القوة ، والنفس تقابل القدرة بالإعجاب ، بينما تتلقى القوة بالخشوع أو بالإجلال  .

      وأورد فى هذه المجموعة أن «مذهب نيتشه» عدو الضعف ، ويأخذ عليه أنه لا يسعى للقوة  بالتطهير من الضعف أو بترقية الطب ، وإنما ينشد ما يريد « باستئصال الضعفاء » ، وأن نيتشه وأتباعه هم الذين يعاكسون بمذهبهم ناموس بقاء الأصلح باستئصال الأضعف .

 

الشـذور

 

    أما « الشذور » التى ألحقها العقاد بخلاصة اليومية ، فلم تكن على نظام النبذ القصيرة ، وإنما بلغ بعضها حد المقالات ، وتناول فيها موضوعات فكرية عميقة مثل ظواهر وأسباب وأمارات « الغرور » و « اللؤم المكتسب » ، فضلاً عن « قوة الإرادة » التى عقد لها فصلاً يكاد يكون موحيًا لما كتبه يوسف السباعى بعد سنوات فى أقصوصته « أرض النفاق » .

 

مجمع الأحياء

 

    أصدر العقاد هذه الرسالة التى تناولناها بالمجلد الأول للمدينة ـ أصدرها سنة 1916 وهو فى السابعة والعشرين ، وكانت كتابته وليدة مآسى الحرب العالمية الأولى ، صادرًا عن اعتقاد قبل الحرب وبعدها « أن الغيرة على الحق هى روح الإنسانية أو هى مظهر أنانيتها وحب البقاء فيها » ، وكما أفصح فى مقدمة الطبعة الثانية للكتاب أنه كتب هذه الرسالة عن النضال بين الأهواء والمبادئ ، واستكناه وجه الحكمة فى سعى الناس فى الحياة ، وفحواها أن الخير والشر فى هذه الدنيا لا ينفصلان ، وأنه لا تلازم بين الرضا والعدل ، وأن غاية الكون أكبر من غاية الفرد أو الأفراد ، وأنه جدير بنا أن نسمع صوت الطبيعة وإن كان همسًا ، قبل أن نضطر إلى سماعها زمجرة ووعيدًا ، واختار العقاد للتعبير عن فكره الذى دارت حول الرسالة ـ قالبًا خياليًّا افتراضيًّا لمجمع من الأحياء يضم مختلف الأجناس من عالم الإنسان وعالم الحيوان ، وقدم من خلال هذا العمل دراما فكرية وفلسفية ، لينتهى إلى أن قانون الوجود لم يوضع لفرد ، وإنما هو قانون الحياة والأحياء .

 

الإنسان الثانى ـ أو المرأة

 

    استطراد العقاد لكتابة « الإنسان الثانى ـ أو المرأة » ـ وهو أسبق ظهورًا من مجمع الأحياء ، هو استطراد طبيعى منبعه ما كان يشغله من فكر ويتغياه من حكمة ، وما دان له من عصير الكتب الفكرية والفلسفية التى شغف بها ، وما أثاره حصاد تأملاته فى الحياة ، فعرض فى هذا الكتاب إلى معالم العصر وما يموج فيه حول المرأة ، خصائصها وصفاتها ، وطلبها للمساواة ، وهو خط تابعه العقاد بكتابه « هذه الشجرة » (1945) ، وفى كتابه « المرأة فى القرآن » (1959) ، وفى مقالات متفرقة نُشرت بالصحف وضُمّت إلى ما أصدره من مجموعات كالفصول ، والمطالعات ، واليوميات وغيرها .

    وقد تعرض العقاد فى هذا الكتاب لبعض فكر وآراء الفيلسوف الألمانى « شوبنهور » حول المرأة والتعدد فى الزواج ، وعارض مذهبه التجارى فى الزواج ، ناقدًا أن يكون القوت هو الجامع بين الجنسين !  

 

المقالات المتفرقة

 

 

   ولم ينقطع هذا الخط الفكرى ، فى مقالات العقاد فى تلك السنوات الباكرة من حياته ، فبرغم انشغاله بالحركة الوطنية ، وخوضه بكتاباته غمار السياسة ، وعشقه لسعد زغلول الذى كتب عنه وله « سيرة وتحية » (1936) ، إلاَّ أن الخط الفكرى والفلسفى ظل حاضرًا فى الكثير من مقالاته منذ ما قبل عشرينيات القرن الماضى ، فظهرت فيها : « الشاعر الفليسوف : حول أبى العلاء المعرى » ، و « شىء عن أفلاطون وفلسفته » ، وعن « وحدة الوجود » ، وعن « التعصب الدينى » ، وعن « فلسفة النشوء والارتقاء » ، وعن الشاعر « لامرتين على جبل الكرمل » ، وعن « الحرب » ، وعن « الاشمئزاز » ، وعن « جمال الطبيعة » ، ومشاهد مما تم جمعه بعد ذلك فى « مجمع الأحياء » ، و « وقضية آدم بين اليقظة والمنام » ، وعن « القوة المالية والقوة النفسية » وعن « الخوف » ..

 

مجموعة الفصول

 

     وقد ظهرت هذه المجموعة عام 1922 ، والعقاد فى الثلاثين ، ولكنها تضمنت مقالات ترجع إلى سنوات ما بين 1913 و 1916 ، ومن أهم ما تناوله فى هذه المجموعة :
« روح الأمم » ، وكتاب « سر تطور الأمم » للدكتور « جوستاف لوبون » ، الذى تدور فكرته الرئيسية حول أن « لكل أمة روحًا تسير أعمالها » ، وأن هذه الروح هى التى تكيف أطوار الأمة وتشكل ملامحها ، ولكن العقاد يلاحظ على كتاب لوبون أنه حملة منكرة على المساواة ، ومعاداة للاشتراكية وكأنها بإيعاز من روتشيلد أو روكفلر .

      وتوقف الأستاذ العقاد طويلاً فى هذه المجموعة مع « ماكس نوردو » وكتابه « التأخر والاضمحلال » وفى تناوله لكتاب « نوردو » تحدث عن الخُلُق الذى دعاه لوبون « عبادة المنافع الذاتية » ، ومنها « جنون الأنانية » الناشئ  عن ضعف حاسة الواجب ، وقد عاد الأستاذ العقاد لتناول « ماكس نوردو » فى مقالات ثلاثة تحدث فيها عن فكره وفلسفته ضمتها مجموعة « المطالعات » فيما تناولناه تفصيلا بالمجلد الأول للمدينة .

     هذا وقد ظهرت فى مجموعة الفصول ، وفى مجموعته الأولى لساعات بين الكتب ، مقدمات دراسة العقاد لحكيم المعرة أبى العلاء المعرى ، الذى أصدر عنه لاحقًا سنة 1939 كتابه الفكرى : « رجعة أبى العلاء » تناول فيه فلسفته ، وما أحاط بفكره فى كل باب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *