فى مدينة العـقاد ـــ بـلال داعية السماء (14)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

تعقيـب

 

    لم تحُل هذه العبارات الأدبية الممتعة التى كتب بها « هيرن » الفصل الذى عقدة عن
« بلال »
ـ لم تحٌل بين الأستاذ العقاد وبين أن يبدى تحفظات على بعض الهفوات التى وقع فيها الكاتب . والتى أوقعه فيها الاعتماد على الكثيرين من المستشرقين ، وحبه للمجاز
أو الاسترسال فى صقل موضوعه وتجميل صورته .

    ومن هذه الهفوات العرضية ، إشارته إلى عقب بلال ـ رضى الله عنه ـ بينما لم يكن لبلال عقب .

    ومن هذه الهفوات العرضية ، اعتقاده أن أبا رويحة كان أخًا لبلال من أبويه أو من أحدهما ، بينما كانت هذه الأخوة فى راجح الأقوال ـ إخاءً فى الإسلام على سنة المؤاخاة التى عقدها النبى عليه السلام بين صحابته من الأنصار والمهاجرين ..

    إلاَّ أن هفوته الظاهرة ـ فيما يبدى الأستاذ العقاد ـ هى مذهبه فى تعليل كثرة المغنين والمغنيات فى بلاد العرب بالقياس إلى أبناء البلاد الأصلاء ـ بأن مرجع ذلك إلى نقص فى الأداة الصوتية ، أو فى القدرة الفنية عند العربى الأصيل .

    وهذا التعليل الذى اعتقده هيرن ، بعيد عن الصواب ، فقد دل سماع العرب ونداءاتهم فى العصر الحديث ، على طلاوة الصوت وكمال الأداء وقوة الطبقات الصوتية ، وليس أدل على ذلك مما نراه اليوم بين العرب ـ فى عالم الغناء بعامة ، وفى دولة التلاوة والإنشاد الدينى بخاصة ، وهم يُسْمعون العالم جميعه فى الشرق والغرب .

    وإنما كانت الملاحظة التى أخطأ هيرن تعليلها ، راجعة إلى ظروف اقتصادية وتجارية وفنية ، أدت إلى أن يكون الغناء مقصورًا على الموالى والجوارى أو على المخنثين الذين يتشبهون بالنساء فى المظهر والكساء .

    فكثرة المغنين بين الموالى والجوارى أو القيان ، إنما ترجع إلى هذه العلة لا إلى عجز فى الأداة الصوتية فى العرب الأصلاء ، أو نقص فى القدرة الفنية لديهم .

    هذا وإن صوت بلال رضى الله عنه ـ لم يُطلب للأذان لأنه عُرف قبل ذلك فى أفانين الغناء ، وإنما لحلاوة وجهارة صوته ، فضلاً عن تقواه وغيرته على الصلاة والعبادة ولزوم المسجد ، والتى كانت أيضًا من أسباب ذلك الاختيار .

                                                               ( انتهى )  

               

وبعـد

 

    فقد تناولت فى هذا المجلد الثالث لمدينة العقاد ، منهجه فى كتابة العبقريات والسير والتراجم ، وانتقيت نماذج من تراجم لمشاهير الشخصيات الإسلامية الذين أثروا التاريخ وأثّروا فيه ، بيد أن هذه التراجم ليست كل من ما كتبه الأستاذ العقاد من سير وتراجم إسلامية ، وقد كتب العديد من التراجم الأخرى التى تندرج فى التراجم الإسلامية ، ولكنى استحسنت أن أرد كل منها إلى نشاط فكرى أو أدبى أو فنى أو فلسفى تميزت به الشخصية ، ففى الفكر والفلسفة : ابن سينا ، وابن رشد ، والإمام الغزالى ، وفى الفقه والإصلاح الدينى والاجتماعى ، والأستاذ الإمام محمد عبده والكواكبى ، فضلاً عن الإمام الغزالى ، وفى الشعر والأدب : شاعر الغزل عمر بن أبى ربيعة ، وجميل بثينة ، وأبو نواس .

    فمن المنطق ، أن يجرى الحديث عن الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين ، مع الحديث عن الفلسفة والفكر بعامة ، وأعلامه مثل المهاتما غاندى ، وفرنسيس بيكون ، وجوته ، وبرنارد شو ، وفلاسفة الحكم فى العصر الحديث التى تناولناها فى المجلد الأول ، وأن يجرى الحديث عن الإصلاح فى إطاره التعليمى والاجتماعى والتربوى ، ومع أعلامه مثل القائد الأعظم محمد على جناح ، وسن يات سن ، ومواقف وقضايا فى الأدب والسياسة  فضلاً عن غاندى وبيكون وبنجامين فرانكلين ، وأن يجرى الحديث عن الشعراء ضمن تناول قضايا الشعر والأدب المفترض أن يخصص لها مجلد مستقل ، يتناول الشعر فى أطواره المختلفة ، ومدارسه المتنوعة ، وموضع هؤلاء الشعراء الإسلاميين ومكانتهم من الشعر الذى قاد الأستاذ العقاد مع المازنى وشكرى مدرسة الديوان للتجديد فيه ، وكتب فيه الأستاذ العقاد كتابه عن « اللغة الشاعرة » ، وكتابه « شعراء مصر وبيئاتهم فى الجيل الماضى » وكتابه « التعريف بشكسبير » وما كتبه عن الشاعر الأندلسى وجائزة عالمية ، وأشتات مجتمعات فى الفكر والأدب ، وخواطر فى الفن والقصة ، وجوائز الأدب العالمية ، وفنون وشجون ، وما كتبه من مقالات عديدة فى المجاميع واليوميات عن النقد والأدب .

    فتناول كل من هؤلاء ضمن هذه الأطر ، لا يعنى أنها ليست تراجم لشخصيات إسلامية شبت فى باحة الإسلام وتأثرت به ، وإنما هو تصنيف بتناول كل شخصية فى الإطار الذى يجب أو يحسن تناولها فيه .

    بقى وأنا أسطر هذه العبارات ، أن أنقل إلى القارئ قلقى الشديد من جسامة المهمة التى تنتظرنى وآمل أن استكملها ، وخوفى من أن لا يتسع لها الجهد والعمر ، على أن مما يفرخ بعض روعى ، أننى حركتُ الماء الآسن ، واثقًا أن هناك من المفكرين والأدباء والنقاد ـ الكفيلين باستكمال هذه المهمة ، التى ليست حسبها أنها إنصاف واجب للأستاذ العقاد ، وإنما هى إطلال أوجب على حصاد عقل عظيم وموهبة فذة لا يجوز للعقلاء أن ينصرفوا عنها .             

   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *