فى مدينة العـقاد ـــ بـلال داعية السماء (13)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

 

    « ولم يكن الأذان معروفًا فى مستهل الدعوة الإسلامية حين كان المؤمنون فئة قليلة تقيم إلى جوار نبيها ، وإنما كان الأذان صيحة مسموعة ينادى بها المنادى إلى الصلاة الجامعة .

    « ثم عرف الأذان بعد بناء مسجد المدينة وتحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة وكعبتها ، إلا أن بيت المقدس لم يزل له شأن فى المأثورات الإسلامية ولم يزل عزيزًا فى قلوب المسلمين » .

      « أما كيف خطرت فكرة الأذان فقد كان ذلك بتوفيق عجيب ؛ وفحواه أن النبى حين فرغ من بناء مسجده ـ الذى يعد على زهادة بنيانه مثالاً للأسلوب العربى فى البناء ـ تبين على الأثر أن دعوة المسلمين إلى الصلاة على النحو الذى اتبعوا قبل ذلك ليست مما يوائم أحوال المسلمين فى ذلك الحين ! لأنها خلو من ذلك الجلال الذى لا غنى عنه فى إقامة الفرائض العامة والشعائر العلنية .

    « وخطر للنبى فى بداءة الأمر أن يتخذ بوقًا للدعوة إلى الصلاة ، ولكنه لم يشأ أن يحول القبلة عن بيت المقدس ثم يتخذ لدعوة الصلاة أداة كان يستخدمها اليهود فى بعض الصلوات.

    « ثم خطر له أن يتخذ للدعوة ناقوسًا يدق فى ساعات معلومات ، ولكنهم لم يجدوا فى المدينة من يصنع الناقوس المطلوب .

    « وإنه ليوشك أن يتخذ للدعوة ناقورًا من الخشب إذ سنحت فكرة الأذان لبعض الصالحين فى رؤيا المنام .

    « فقد رأى ذلك الرجل الصالح فيما يرى النائم أنه لقى على مقربة من داره ـ وهو يسرى فى ضوء القمراء ـ رجلاً طوالا فى ثياب خضرة بيده ناقوس جميل ، وبدا له أنه قارب الرجل الطوال يسأله أن يبيعه الناقوس ، فتبسم الرجل الطوال وراح يسأله : ولأى شىء تريده ؟ فقال له : إنما اشتريه للنبى عليه السلام ليدعو به المسلمين إلى الصلاة.

    « قال الرجل الطوال ـ وكأنه يزداد فى مقاله طولاً : كلاَّ . بل أخبرك بما هو أصلح وأجدى ، فخير من ذاك أن ينادى منادٍ بالدعاء إلى الصلاة من سقف المسجد كما أصنع. وانطلق فى ندائه بصوت رنان عجيب سماوى الجلال يبعث الوجل الأقدس فى فؤاد سامعه ، وهو يردد ذلك الأذان كما يردد اليوم من شاطئ إفريقية العربى إلى تخوم هندستان » .

    « فهب الرجل من رقاده والنغم العجيب يتردد فى أذنيه ، وبادر إلى النبى فقصَّ عليه رؤياه ، فسمعها منه النبى كما يسمع الرؤيا الصادقة التى تأتى بالهداية من الله ، وتذكر تلك الهبة الصوتية النادرة التى خُص بها مولاه الوفى بلال ، فأمره أن ينادى إلى الصلاة بتلك الكلمات التى سمعها المسلم الصالح فى منامه ، وكان الليل فى هزيعه الأخير ، فوعى المؤذن الأول واجب صناعته الجديدة قبل مطلع الفجر ، وما هو إلا أن طلعت بشائر النور الأولى حتى نهض أهل المدينة من نومهم على صوت الحبشى الساحر يردد الأذان من مشرف عال بجوار المسجد . فكان ذلك فاتحة تاريخ المنارة الجميلة التى تتسم بها قبل غيرها ملامح العمارة فى المدن الإسلامية ، وكان مصعد بلال فى تلك الليلة إلى الشرفة المضاءة بنور الكواكب على سقوف المدينة هو أول خطوة على سلم المنارة الباقية قبل ألف ومائتى عام » .

*           *           *

      ويستأنف هيرن فيما ترجمه إلينا الأستاذ العقاد ، ليبدى أنه فى خلال تلك القرون جميعًا لم يعرف الإسلام يومًا واحدًا لم ترتفع فيه صيحة الأذان إلى الله .    

    « ولا تزال نغمات الأذان تعلم طريق الساعات لسكان مدائن شتى لا عداد لها . وفى المأثورات أنها ستكون علامة للساعة التى تقوم فيها القيامة ويظهر فيها المهدى المنتظر ـ مسيح الديانة الإسلامية ـ فيعلن الأذان بصوت جهورى يدوِّى فى أنحاء العالم بأسره !

    « وما برحت دعوات الصلاة تستجاب فى العالم الإسلامى بدقة يدهش لها السياح ويعجبون .

*           *           *

      « ولزم بلال النبى عن كثب طوال حياته ؛ فكان يوقظ النبى بعد الأذان أحيانًا بآية من الآيات ، أو بكلمة من جوامع الحكمة والتقوى . فإذا اجتمع المصلون بالمسجد اتجهت الأنظار نحو الإفريقى الواقف بالصف الأول ليتلوه فى حركات الصلاة ، فإن من واجب المؤذن بعد إعلان الأذان أن يصحب الإمام بالتكبير والدعاء كما يصنع الشماس مع الأسقف فى الصلاة المسيحية .

    « ولما تعاظمت قوة الإسلام تعاظمت معه مكانة بلال وعهدت إليه أمور أهم وأكبر من الأذان ؛ فكان خازن بيت النبى وأمينه على المال الذى يصل إلى يديه ، وتلقى من النبى مفاتيح الكعبة يوم دخل مكة فى موكبه الظافر ، وكان هو الذى أقام الأذان على أعلى مكان فى تلك البنية التى اشتهرت الآن فى أنحاء الكرة الأرضية ، وكان هو الداعى إلى الصلاة يوم حضر إلى المدينة ملوك حضرموت للدخول فى الإسلام ، وكان هو الذى يدعو إلى الصلاة حين يحتشد فرسان الإسلام بالصحراء لقتال عابدى الأوثان » .

      « ويؤخذ من بعض الأنباء أن بلالاً قد تولى بعض مهام الدولة بعد الخليفة الأول . فلما أراد الخليفة العادل الصارم فى عدله ـ عمر بن الخطاب ـ أن يحاسب « سيف الله » خالد بن الوليد على بعض أعماله كان بلال هو الذى نزع عمامة خالد وأوثق يديه أمام جماعة المسلمين بالمسجد وهو يردد مشيئة أمير المؤمنين .

    « ولكننا لا نسمع بعد هذه القصة عن بلال إلا القليل ، حتى وصل عمر إلى الشام فنعلم أنه كان يصحب الجيش ، وأنه كان قد منح بجوار دمشق قطعة من الأرض واعتزل الحياة العامة كل الاعتزال » .

      « وفى خلال ذلك كانت العقيدة التى تعذب بلال من أجلها ودان بها زمنًا وهى لا تتجاوز حى أبى طالب ـ قد جاوزت البرور والبحار إلى سورية وفلسطين وفارس وشهدها قبل أن يسلم روحه إلى ذلك الذى لا ينام ، وهى تسلك سبيلها إلى القارة الإفريقية فتضمنها إلى فتوح الإسلام . وبهذا أصبحت دعوته الأولى ـ دعوة الأذان ـ مستجابة بين أقوام من المتعبدين من تخوم الهند إلى شواطئ الأطلس ، وقرع فرسان الصحراء العربية أبواب كابل .. ولعل ولدًا من ذرية بلال قد عاش حتى رأى الدولة تمتد على بقاع الأرض مسيرة مائتى يوم بين المشرق والمغرب . وأن ما بلغته الفتوح الإسلامية ـ حتى فى السنة الثانية عشرة للهجرة ـ لخليق أن يستجيش فى صدر الشيخ الهرم حمية الدين التى عمر بها ما بين جانحيه » .

*           *           *

      « سكت صوت بلال عن ترديد الأذان بعد نبيه ووليه ، لأنه رأى فى حسبانه التقى أن الصوت الذى أسمع نبى الله ودعاه إلى بيت الصلاة لا ينبغى أن يسمع بعد فراق مولاه . ولنا أن نتخيله فى مأواه بالشام وأنه ليدعى مرارًا إلى ترديد ذلك الدعاء الذى أعلنه لأول مرة تحت قبة السماء المضاءة بمصابيح الكواكب ، وأنه ليضطر مرارًا إلى الإباء والاعتذار لأولئك الذين كانوا يجلونه إجلال القديسين وبودهم لو بذلوا أموالهم كلها ليسمعوه .

      إلا أنه لما ذهب عمر إلى دمشق توسل إليه رؤساء القوم أن يسأل بلالاً إقامة الأذان تكريمًا لمحضر أمير المؤمنين ، فرضى بلال وكان أذانه الأخير » .

*           *           *

      وقرب ختام هذا الفصل الممتع الذى نقلت إليك ترجمة بعضه ، يقول هيرن :ـ

      « ولعل مصر التى فتحت وبلال بقيد الحياة ـ مصر بلد الخلود الذى لا يقبل التبديل ـ قد حفظت دعوة الصلاة كما كانت ترتل فى العشرة الثانية بعد الهجرة المحمدية . وقد سمعت الأذان من مؤذنين سمعوه من بلال .

      ويرضينا أن نعتقد أن بلالاً نفسه قد أدى الأذان على نحو يشبه أداءه المسموع فى مصر الحديثة كما سجله فيلوتو Villoteau وهو أنغام تذكر السامع برسوم العمارة العربية ».

      « وقد كان المؤذن الذى سمعه فيلوتو أقرب إلى التفنن من المؤذن الذى سجل لين Lane نغماته فى كتابه عن المصريين المحدثين فإذا بها تنتهى وفى السمع انتظار لبقية تالية .. ولعلنا نؤثر أن يكون تلحين بلال من قبيل ذاك الأذان لما فيه من تجزئة النغم التى يألفها العرب وتشبه تلك الخفايا المستغربة فى الأصداء الإفريقية . إلا أن النغم الآخر مع هذا يعبر عن بساطته عن جمال ووقار ويوحى إلى معنى العبادة الخالدة التى لا نهاية لها والتى هى أبدًا فى ابتداء بغير ختام ، كما يوحى إلى الصلاة معلقة تتصل بما بعدها ولو كانت هى آخر صلاة » .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *