فى مدينة العـقاد ـــ بـلال داعية السماء (8)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     

نشأة بـلال  

   

    اتفقت الأقوال ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ على أن بلالاً كان من أبناء الحبشة المولدين ، وجاء فى وصفه أنه ـ رضى الله عنه ـ كان « آدم (أسود) شديد الأدمة (السواد) نحيفًا طوالاً أجنأ ـ أى فيه انحناء ـ كثير الشعر خفيف العارضين (صفحتى الخد) » .

    وهذه الأوصاف معهودة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ فى سلالة المولدين من السود والساميين ، وكانوا كثيرين بين الحبشة واليمن من قديم الزمن ، وليست أوصافه من أوصاف الزنج ولا أوصاف أبناء سام ، وإنما يدل سواده وكثرة شعر رأسه وعدم فطس أنفه ـ على أنه مولد من السلالتين .

    واختلف فى مولده ، فيقال ولد بمكة ، ويقال ولد فى السراة ، وربما كان هذا هو الأرجح لقربها من اليمن والحبشة ، ولأن بلالاً رضى الله عنه رجع إليها حين فكر فى الزواج .

    وأرجح الأقوال أنه ولد قبل الهجرة بنحو ثلاث وأربعين سنة .

    وأبوه وأمه معروفان : أبوه يُدعى رباحًا ، وأمه تدعى حمامة ، وكان ينادى بابن السوداء إذا غضب منه غاضب ، ولعل أمه كانت من إماء السراة أو إماء مكة .

    وورد أن له أخًا اسمه خالد ، وكنايته أبو رويحة ، والأغلب إزاء تعدد الروايات أنه كان أخاه فى الإسلام على سنة المؤاخاة التى آخاها النبى عليه السلام بين الصحابة ، وقيل إن له أختًا تسمى « غفرة » وكانت مولاة عمر بن عبد الله مولى غفرة المحدث المصرى ، ولا خبر عنها غير ذلك .

    وكانت نشأة بلال بمكة فى بنى جمح من بطون قريش المشهورة ، ونشأ فيهم أيضًا
أبو محذورة وعمرو بن كلثوم اللذان اختيرا أيضًا للأذان .

    ويرى الأستاذ العقاد أنه إذا كانت لنشأة بلال بين هؤلاء القوم أثر مقدور فى بغضه لعبادة الجاهلية وإقباله على الإسلام ،  فذلك يكون بسبب إطلاعه بينهم على أسرار الأزلام ( سهام صغيرة كان أهل الجاهلية يقتسمون بها وفقًا لما يكتبونه عليها ) والأيسار وما يلزمها أحيانًا من الغش والتلبيس ، فضلاً عما كان للقوم من نزعة روحية باعدت بينهم وبين خلائق عبد مناف ـ جد النبى عليه السلام ـ منذ حدثت القطيعة الأولى بين الأحزاب القرشية ، وخليق بهؤلاء فيما يورد الأستاذ العقاد ـ ألاَّ يألفهم الضعفاء .

     ولم يُعْرف على وجه التحقيق من كانوا سادة بلال وأبيه من بنى جمح ، والثابت أنه عند المبعث كان عند « أمية بن خلف » وبعض ولده ، واتفقت الروايات على أن الصدّيق رضى الله عنه هو الذى استنقذه من تعذبيهم إياه على إسلامه ، فاشتراه وأعتقه .

    واستراح بلال بعد عتقه من إيذاء السادة للعبيد ، ولكنه لم يسترح ـ ولا استراح غيره ـ من ملاحقتهم وإيذاء الأشرار للمستضعفين الذين لا تحميهم عصبية .

    فقد كان المشركون يتعقبون المسلمين بكل ما استطاعوه من عنتٍ وإيذاء ، حتى همّوا بقتل النبى نفسه ، وحتى أشفق عليه السلام على صحبه وأذن لهم فى الهجرة قبله ، فكان بلال ممن هاجروا إلى المدينة على إيثار منه للبقاء فى مكة .

    وقد لزم بلال النبى والصديق بالمدينة ومكة وسائر المغازى والأسفار بعد ذلك . وكان لمسجد المدينة الذى اشترك النبى عليه السلام فى بنائه حظ الأذان الأول فكان لبلال حظ السبق بهذا الأذان . ولم يزل له حظ التقدم على سائر المؤذنين فى حضرة النبى حتى قُبض عليه السلام ، وميز بالتقدم عليهم لتقدمه فى الإسلام ولجهارة صوته وحسن أدائه ، وإن كان تقدمه فى الإسلام هو أرجح المزيتين التى استحق بها التفضيل والتكريم .

    وقيل فى خصائص أذانه ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ إنه كان يؤذن حتى تدحض الشمس ويؤخر الإقامة قليلاً . أو ربما أخرها قليلاً ، ولكن لا يخرج فى الأذان عن الوقت . وربما ترنم ببعض الشعر وهو صاعد للأذان رثاءً لحاله وطلبًا للتوبة والرحمة من الله . ومن ذاك أنه سمع وهو يقول :

                        ما لبـلال ثكلته أمه         وابتل من نضح دم جبينه  

    وقد آخى النبى عليه السلام بين المهاجرين والأنصار فى المدينة كما هو معروف ، واختلفت الروايات فيمن آخى بلالاً به ، والأرجح أنه ـ عليه السلام ـ آخى بينه وبين خالد أبى رويحة الخثعمى ، يدل على ذلك بقاء الصلة بينهما إلى أن فرقت بينهما الوفاة .

    يقول الأستاذ العقاد :

    « ويبدو من أحاديث النبى عليه السلام لبلال أنه كان يصطفيه لأنه أهل لاصطفاء التربية والتعهد بالنصيحة والتعليم ، فكان يقول له : يا بلال ! أفضل عمل المؤمن الجهاد فى سبيل الله . وكان يقول له : عش فقيرًا يا بلال ومت مع الفقراء . وربما عهد إليه فى تفريق ما يفضل من المال عنده وقال له : انظر حتى تريحنى منه . فيرى بلال القدوة فى سيدة ونبيه فإذا هو من خيرة المقتدين ، ويظل على هذه القدوة حتى فارق الحياة »

    وعن تطهره الذى تحدث الرسول عليه السلام به ، قال بلال : « ما عملت عملاً فى الإسلام أرجى عندى منفعة من أنى لا أتطهر طهورًا تامًّا فى ساعة من ليل أو نهار إلاَّ صليت بذلك الطهور ما كتب الله لى أن أصلى » .

    وكان اصطفاء النبى عليه السلام لبلال ـ اصطفاءً للمؤمن الأمين ، الذى تثمر فيه التربية والقدوة الحسنة كما يثمر فيه الصنيع الجميل .

    كان بلال ـ رضى الله عنه ـ كالحارس الملازم للنبى عليه السلام فى طويل صحبته له بين السلم والحرب والإقامة والسفر ، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يتخذه حارسًا يحميه كحراس الأمراء والسلاطين ، وإنما كان يستصحبه لأنه كان يستريح إليه وإلى رؤيته والشعور بصدق مودته ووفائه ، وكان مودة بلال للنبى تبدو حيث يريد وحيث لا يريد ، فكان يسرع فى الهجير إلى تظليله بالثياب ليقيه دون أن يطلب النبى ذلك ، ويسرع لضرب قبة له من أدم فى المواقع ويداوم على التردد بينها وبين الميدان ليطمئن عليه ويتلقى أوامره ، فلم يفرقهما موقف ضنك ولا موقف خطر .

    ولما فُتحت مكة أمره النبى عليه السلام أن يقيم الأذان على ظهر الكعبة ، فأقامه والمشركون وجوم يغبطون من مات من آبائهم لأنهم لم يشهدوا هذا الموقف ، وحين دخل النبى الكعبة كان فى صحبته ثلاثة : عثمان بن طلحة حامل مفاتيحها ، وأسامة بن زيد بن حارثة ، وبلال .

    ومازال يصحب النبى حتى قُبض عليه السلام ، فلم يستطع أن يقيم الأذان بعد وفاته إلإَّ لأيام اعتذر بعدها عن إقامته ، لأنه كان إذا قال « أشهد أن محمدًا رسول الله » ـ يغلبه البكاء ويبكى معه سامعوه ، ولم يطب له المقام بعد ذلك حيث كان يصحب النبى ويراه ، فآثر الاغتراب رغم فرط حبه للمدينة ومكة .

    وفى اغترابه آثر الجهاد على فرط حاجته إلى الراحة بعد أن نيف على الستين .

    واشترك فى معارك غير معلومة على التفصيل ، وشارك فى فتوح الشام ، ثم سكن إلى ضيعة صغيرة بجوار دمشق يزرعها ويعيش على غلتها ، ولم يُسمع عنه خبر بعد ذلك إلاَّ يوم أن أَذَّنَ للفاروق بدعوة من كبار الصحابة والتابعين فأشجاهم وأبكاهم كأنهم ينصتون لوحى الغيب ، ويوم تصدى لمحاسبة خالد بن الوليد بالمسجد بين يدى أبى عبيدة بن الجراح .

    وأدركته الوفاة فى نحو السبعين ، واستعذب الموت لأنه سيجمع بينه وبين النبى وصحبه كما قال فى ساعات الاحتضار ، ودفن عند الباب الصغير بدمشق ، وقبره معروف يُزار ، بعد أن عاش المسلمون يقرنون بين محضر النبى عليه الصلاة والسلام وصوت بلال رضى الله عنه .        

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *