فى مدينة العـقاد ـــ الصدّيقة بنت الصدّيق (15)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

ما كان فى مأساة وقعة الجمل

 

      ظنى أن المشاركة فى وقعة الجمل ، أحد الأسباب الهامة التى دعت الأستاذ العقاد لتصنيف هذا الكتاب .

     وإذْ رأى الأستاذ العقاد أن مشاركة السيدة عائشة فى الشئون العامة فى عهد عثمان كانت أقرب إلى الاضطرار ، إلاَّ أنه يرى هنا أن اختيار السيدة عائشة فى وقعة الجمل كان أكثر من اضطرارها .

     فالثابت أنها تلقت خلافة الإمام علىّ من البداية ـ بإظهار السخط والمقاومة ، وأذنت لبعض الطامحين إلى الخلافة أن يتوسلوا بجاهها أو بمكانتها ، وأن يشركوها معهم فى خصوماتهم ، وكان أكرم لهم ولها أن يجنّبوها هذه الخصومة ، وأن ينزلوها بحيث يعتصم بها الفريقان ويستوى فى جوارها العسكران .

      وأصوب ما قيل فى هذا المعنى ، فيما ينقل الأستاذ العقاد ، مقال الفتى السعدى الذى تصدى للزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله فقال لهما : « أمّا أنت يا زبير فحوارى رسول الله ، وأمّا أنت يا طلحة فوقيت رسول الله ( يوم أُحد ) بيدك ، وأرى أم المؤمنين (عائشة) معكما ـ فهل جئتما بنسائكما ؟! » .

     جاء هذا الملام فى موقعه ، وفيه أقام الفتى السعدى الحجة عليهما ، بسؤال يغنى بذاته عن كل جواب !

      كانت السيدة عائشة ناقمةً لسياسة عثمان ومعارضةً له على ما تقدم ، وهى التى عندما لقيت وهى فى طريقها إلى مكة ابن عباس موفدًا من قبل عثمان يحمل كتابًا إلى الحجاج يطلب فيه النصفة بينه وبين الثائرين ، راجعت ابن عباس فى قبوله أداء هذه المهمة ، واقترحت عليه بدلاً من ذلك أن يخذّلَ الناس عن عثمان وأن يشككهم فيه ، ورشحت للخلافة طلحة بن عبيد الله ( وهو مثلها من تيم ) لأنه فى رأيها : « اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح ، فإن يلِ الخلافة يسرْ بسيرة ابن عمه أبى بكر رضى الله عنه » .

      فقال لها ابن عباس : « يا أُمه ! لو حدث ( أى اعتزال عثمان ) ما فزع الناس إلاَّ إلى صاحبنا ( يقصد الإمام علىّ ) ، فقالت له متبرمة : « إيهًا عنك . لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك » .

      ووجدَت السيدة عائشة نفسها فى مكة بين العثمانية والأموية ، فآثرت أن ترجع إلى المدينة لتدرك الأمور قبل فواتها ، ولكنها سمعت فى الطريق « بيعة علىّ » فقالت فيما رواه « عبيد الله بن أبى سلمة » وهو من خؤولتها : « ليت هذه انطبقت على هذه إنْ تم الأمر لصاحبك . مشيرة إلى السماء والأرض ، ثم صاحت بركبها : ردونى ! ردونى ! وجعلت تتوعد فى الطريق : أن تطالب بدم عثمان !! .. فقال لها « عبيد الله بن أبى سلمة » : وِلَم ؟ والله إن أول من أمال حرفه لأنت ! قالت : إنهم استتابوه ثم قتلوه . وقد قلت وقالوا . وقَولى الأخير خير من قولى الأول » .

     وما لبثت مكة إلاَّ قليلاً ، حتى تجمع فيها كل ناقم على « علىّ بن أبى طالب » من أعدائه ومنافسيه ، فقضت السيدة عائشة أيامها بمكة بين العثمانية والأموية والولاة الذين أحسوا بزوال الدولة والثروة وأوجسوا من حساب الخليفة الجديد ، ولحق بهم طلحة والزبير وكلاهما طامح إلى الخلافة يائس من الأنصار فى المدينة . فاتفقوا جميعًا على كلمة واحدة لا اتفاق بينهم فيما عداها ، وهى المطالبة بدم عثمان !

      دفعهم إلى ذلك أن هذه المطالبة تغنيهم عن القدح فى الخليفة الجديد علىّ بن أبى طالب ، وغير مستطاع الاتفاق على هذا القدح فى حق الإمام !

      وهكذا ارتفعت الصيحة بدم عثمان !!

      يقول الأستاذ العقاد :

     « وفى هذه البيئة غلبت على السيدة عائشة نيّةُ الخروج إلى البصرة بتلك الدعوى التى اتفقوا عليها ، وأكبر الظن أنها كانت وشيكة أن تحجم عن الخروج إليها لولا غلبة البيئة واجتماع الأصوات من حولها على نداء واحد . فإنها ما عتمت فى الطريق أن صدمت أول صدمة حتى همّت بالرجوع ثم أصرت عليه لولا احتيالهم فى إقناعها بمختلف الحيل » .

     كانت هذه الصدمة أن الركب إلى البصرة مرّوا بماء « الحوأب » ، فنبحتهم كلابه ، وسألوا الدليل أى ماء هذا ؟ فقال : هذا ماء الحوأب . فصرخت بأعلى صوتها قائلة : إنا لله وإنا إليه راجعون . إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه : ليت شعرى أيتكن  تنبحها كلاب الحوأب ؟. ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وهى تقول : أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقًا . ردونى . ردونى . ردونى . وأقامت يومًا وليلة لا تريم مكانها ، حتى جاءوا لها بخمسين رجلاً من الأعراب رشوهم فشهدوا أنهم جازوا الماء ، وقالوا
لها : مهلاً يرحمك الله فقد جزناه . ثم صاح عبد الله بن الزبير : النجاء . النجاء . فقد أدرككم علىّ بن أبى طالب . فأذنت لهم فى المسير بعد امتناع شديد .

*     *     *

     ويعتقد الأستاذ العقاد أن وقفة السيدة عائشة عند ماء الحوأب ، لم تكن كل دلائل التردد لديها فى هذا المسير وفى أمر القتال . ويضيف أنه على مراجعته لتفاصيل أخبار وقعة الجمل المتشعبة ـ لم يقرأ خبرًا واحدًا ينُم على عزيمة قتال مبيته لدى السيدة عائشة لغرض محدد مرسوم  .

     ويؤخذ من كلامها لأبى الأسود الدؤلى حين أشخصه إليها عاملُ علىٍّ بالبصرة ، أنها كانت تستبعد خروج أحد من المسلمين لقتالها . فقد سألته : أفتظن يا أبا الأسود أن أحدًا يقدم على قتالى ؟ وكان أبو الأسود رجلاً صعب المراس فى نصرة علىّ فأجابها . والله لتقاتلن قتالاً أهونه لشديد ، وكان مما قاله لها قبل ذلك : ليس على النساء قتال ولا لهن الطلب بالدماء ، وإن عليًّا لأولى بعثمان منك وأمسُّ رحمًا فإنهما أبناء عبد مناف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *