فى مدينة العـقاد ـــ الصدّيقة بنت الصدّيق (14)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

      كان هذا الكتاب مختومًا بخاتم الخليفة ، وإن كان الأستاذ العقاد يرجح أنه من عمل الحاشية ومروان بن الحكم على التخصيص ، وأنه لا يمكن لعثمان على ورعه وإحجامه عن إراقة الدماء حماية لنفسه ـ أن يأمر بقتل ابن صاحبه أبى بكر الصديق ، وقد تقدم فى عبقرية الإمام أنه ـ عليه الرضوان ـ دافع فى هذا المقام عن الخليفة حتى كاد يتهم الوفود باصطناع الواقعة .

     بيد أن الكتاب أعقبه أثر فى نفوس الصحابة وفى نفس السيدة عائشة ، وفى نفوس الوفود المتجمعة من الأمصار فى المدينة ، ودفع بالفتنة القائمة يومئذ فى طريق غير
مأمون !

     وظاهر ما تقدم ، ومن غيره مما لم يتسع له المقام ، أن اختلال الأحوال هذا الاختلال فى عهد عثمان ـ هو الذى تحول بالسيدة عائشة من موقفها السابق أيام الصدّيق والفاروق ، إلى موقف الإدلاء بدلوها فى السياسة العامة والمجاهرة بالنقد الشديد لحكومة عثمان وولاته وحاشيته .

     بل إن ذلك هو الذى جعل لها مهمة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ تطلبها وتسعى إليها ، وهى مهمة الوساطة بين الشعب والخليفة وحماية من يجأرون بالشكوى .

      فلولا الحمق الذى اشتهرت به حاشية عثمان ، لما تحولت السيدة عائشة عن موقفها الذى التزمته إبان حكومة الشيخين  .

     ثم تمادى أمر الحاشية ، فلم يقبلوا من المسلمين أن يلوذوا ببيت السيدة عائشة ويفزعوا إلى جوارها  .

     وكانت الطامة الكبرى أن تتآمر الحاشية الحمقاء على حياة أخيها وترسل أمرًا إلى واليها بقتله ومن معه حين يصل إلى مصر حاملاً أمر الخليفة بولاية الحكم فيها .

     ومع أن الأستاذ العقاد أبرأ الخليفة عثمان من هذا العمل على ما تقدم ، إلاَّ أنه استوقفه ما لا بد أنه قد استوقف المسلمين والصحابة آنذاك ـ أنه لم يُصِبْ الجانى مدبر هذه الدسيسة أى جزاء ، وما كان ذلك ليكون لولا أن رجال هذه الحاشية هم الذين ستروه وأنقذوه ، وكان ذلك مأخذًا على سياسة عثمان !

     فهذه الحاشية الحمقاء قد بدأت بالغض من مكانة السيدة عائشة لغير ضرورة ولا حكمة ، وانتهت بالتآمر على قتل أخيها لغير ذنب جناه ، وسلكت فى ذلك وغيره مسلكًا أباه المسلمون والصحابة والسيدة عائشة .

      وغير عجيب إذن أن يكون للسيدة عائشة موقف عداء من تلك الحاشية ، وأن تأخذ على الخليفة السكوت عليها ، وأن تكون على رأس المنادين بتبديل حكمها وتأليب الناس عليها .

      وقيل إن السيدة عائشة تربصت بعثمان حتى أقبل يخطب الناس ، فدلّت قميص النبى عليه السلام ، ونادت : « يا معشر المسلمين  ! هذا جلباب رسول الله لم يُبل وقد أبلى عثمان سنته ! » .

     ولم تتذكر هذه الحاشية الحمقاء مكانة السيدة عائشة ، وما يرجى من «أمان جوارها»
ـ لو تعقلوا ـ من الخير فى شفاعتها وتهدئة الأمور ، ولم يتفطنوا إلى شىء من ذلك إلاَّ بعد فوات كل فرصة !

     ويروى الأستاذ العقاد ما نصه  :

     « فلما حوصر عثمان وحيل بينه وبين الزاد والماء ذهبت أم حبيبة إلى داره ـ وهى زميلة للسيدة عائشة من أمهات المؤمنين ـ فاعترض الثوار بغلتها وكانت معها إداوة ماء تخفيها . قالوا : ما جاء بك ؟ قالت : إن وصايا بنى أمية عند هذا الرجل ، فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال الأيتام والأرامل : وكانت أم حبيبة أموية من آل أبى سفيان ، فاجترأ الثوار عليها وقالوا : كاذبة ؟ وقطعوا حبل البغلة بالسيف ، فنفرت وكادت تسقط عنها ، فتلقاها كرام الناس فأخذوها وذهبوا بها إلى بيتها » .

      « وكانت السيدة عائشة قد كرهت المقام بالمدينة وهى على الحال من الفتنة الطاغية ، فتجهزت للحج واستصحبت أخاها محمدًا فأبى وتخلف بالمدينة » .

      « عند ذلك لجأ مروان بن الحكم  ـ وهو رأس البلاء ـ إلى جوار السيدة عائشة التى كان يغرى عثمان بها لاحتماء الناس ببيتها ، فقال لها : يا أم المؤمنين ! لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل … فقالت : أتريد أن يصنعوا بى كما صنعوا بأم حبيبة ثم لا أجد من يمنعنى ؟ لا والله ولا أعبر ولا أدرى إلى ما يسلم أمر هؤلاء » .

    « وليس أكثر ولا أغرب من الأحاديث التى نسبت إلى عائشة فى خلال هذه الفتنة قبل خروجها من المدينة وبعد خروجها منها . وأشد هذه الأحاديث وأقساها أن بعضهم سمعها تقول : « اقتلوا نعثلا فقد كفر » وأنها كانت تسأل من تلقاه أن يخذل الناس عن عثمان وشيعة عثمان » .

  « فأما الصحيح من هذا كله فهو أنها كانت تنقم من حكومة عثمان وتتمنى لها الزوال »

  « ويجوز الشك بعد ذلك فى كثير من نصوص الأحاديث التى نسبت إليها بصدد هذه
الفتنة . لأن بنى أمية مثلوا بأخيها محمد بن أبى بكر عند دخولهم مصر أبشع تمثيل . فقتلوه ظمآن ووضعوه فى جوف حمار ميت ثم شووه . وهذا بعد أن جروه من رجله فى أسواق مصر وأشهدوا على مثلته السفلة والصبيان . ثم أرسلوا قميصه الذى قتل فيه وهو بدمه إلى المدينة . فلبسته نائلة زوجة عثمان ورقصت به ، وشوت أخت معاوية ابن حديج خروفًا وأهدته إلى السيدة عائشة
ـ فى ذلك العيد ـ وهى توصى الرسول أن يقول لها : هكذا كان شى أخيك ! فما أكلت السيدة عائشة بعدها شويًا قط وأقسمت لا تأكله حتى تلقى الله » .

      « فلما تسامع الناس بأنباء هذه المثلة الشنعاء غضبوا للسيدة عائشة أن يشمت بها ولاة الدولة الجديد هذه الشماتة ، وخاف الأمويون من جرائرهم وندم عقلاؤهم على ما كان من سفهائهم ، واحتاجوا إلى المبالغة فى تشويه نصيب عائشة من فتنة عثمان ، فأضافوا بألسنتهم وألسنة أتباعهم وصنائعهم أقاويل وأباطيل تمتزج بما نسب إلى السيدة عائشة ، فلا يعرف منها الخالص والمشوب ، ولا يسهل النفاذ من بينها إلى موقع المبالغة والتلفيق » .

    « وخليق بنا أن نزداد حذرًا من هذه المبالغات على قدر أصحاب المصلحة فى قبولها . وقد اتفق على تكبير نصيب عائشة من التحريض على عثمان مصدران متناقضان ، وهما مصدر أصحاب معاوية ومصدر الشيعة أصحاب علىّ : يريد الأولون ما قدمناه من تخفيف وزرهم فى المثلة بأخيها والحيف عليها ، ويريد الآخرون أن يبطلوا موقفها من مطالبة علىّ بدم عثمان ، وأن يثبتوا براءة علىّ من دم الخليفة القتيل ومشاركة عائشة فى هجمة قاتليه . فضلاً عن مصلحة القاتلين أنفسهم فى التعلل بهذا السند الذى يعفيهم من لوم كثير » .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *