فى مدينة العـقاد ـــ الصدّيقة بنت الصدّيق (11)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

      وعندما استأنف الجيش المسير ، هاجت ريح شديدة كادت تدفن الركب ، وخطر للبعض أن « عيينة بن حصن » ربما أغار على المدينة منتهزًا هذه الفرصة ، حيث انقضت مدة الموادعة بينه وبين المسلمين ، فكان هذا الظن من دواعى العجلة واضطراب مواعيد استئناف الرحيل .

       وعلى مقربة من المدينة دنا الليل ، وأناخ الركب طلبًا للراحة ، وذهبت السيدة عائشة لبعض شأنها ـ ثم فوجئت فى عودتها بأن عقدها قد انفرط ـ فَكَرَّتْ عائدة لتبحث عن حَبَّاته ، ثم عادت إلى مكان هودجها فإذا الموكلون بحمله قد احتملوه وهم يحسبونها فيه ـ فقد كانت خفيفة الوزن على ما تقدم .

    فبقيت السيدة عائشة حيث هى ، موقنة أنهم سيكرُّون لحملها إذا التمسوها فلم يجدوها .

    وطال بها الانتظار ، وتصادف مرور صفوان بن المعطل حيث كان على مؤخرة الجيش ليلتقط ما عساه يسقط من المتاع فى هذا الرحيل العاجل ، وربما كلفه النبى عليه السلام بهذه المهمة لأنه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يأخذ الجيش فى المسير ، فاتفق ذلك مع المهمة التى أوكلت إليه أن يكون فى المؤخرة ليلتقط ما عساه يسقط أو يُنسى فى هذه العجلة .

     ولما نهض صفوان ليتبع الجيش ، رأى سوادًا على البعد ، ثم عرف عندما اقترب مستفسرًا أنها السيدة عائشة ، فجعل يسترجع ويعيد استرجاعه : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لينبهها لأنه يتهيب الحديث إليها . فلما عرف أن الركب فاتها ، قرب البعير وناداها : يا أُمه ، قومى فاركبى ، وأخذ بزمام البعير وغَزَّ السير حتى أدرك الجيش فى نحو الظهيرة .

    وقد حدث هذا وابن سلول لم يكد يفرغ من دسيسته الأولى التى أجهضت بمجىء النبى وفض الإشكال بين الأنصار والمهاجرين ، فوجدها فرصة ليستأنف دسه مُجَدّدًا للإساءة للإسلام ورسوله ، ومثْلُه لا يضيّع هذه الفرصة ، فراح يقول تعريضًا : والله ما نجت منه ولا نجا منها ، وأطلق لسانه فى حديث الإفك فى الطريق وبعد الوصول للمدينة .

*       *       *

     مضت النميمة تستشرى بين المنافقين والنهازين بالمدينة ، ومشعلها  يتغيا بها الإفساد بين النبى عليه السلام وصديقه أبى بكر ، والإساءة للإسلام ورسوله ، فى الخوض فى عرض  إحدى أمهات المؤمنين وابنة الصدّيق .

     وأخيرًا وصل الخبر إلى النبى وأبى بكر دون أن تدرى عائشة شيئًا مما يدور ، بينما رابها غياب لطف النبى رغم شكايتها من مرض ألمّ بها ، استدعى أن تحضر أمها أم رومان لتمريضها ، وتصادف بعد ما نقهت عائشة أن خرجت ومعها أم مسطح وهى بنت خالة أبى بكر ، فتعثرت أم مسطح فى مرط ( كوم من الخز أو نحوه ) فقالت : تعس مسطح ! .. فراجعتها عائشة : « أتسبين رجلاً شهد بدرًا ؟! » ـ فقالت لها أو لم تسمعى ما قال ؟ سألتها وما قال ؟ فأخبرتها بحديث أهل الإفك ، فما علمت عائشة بما يجرى حتى ازدادت ـ فيما روت ـ مرضًا على مرض .

     ولندع القص لنسمع ما تحدثت به السيدة عائشة وأورده الأستاذ العقاد بنصه ـ قالت :

      « ورجعت إلى بيتى فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم . ثم دخل رسول الله وقال بعد أن سلم : كيف تيكم ، فاستأذنته أن آتى بيت أبوى وأنا أريد أن أتثبت الخبر من قبلهما . فأذن لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوى ودخلت الدار فوجدت أم رومان فى السفل وأبا بكر فوق يقرأ . فقالت أمى : ما جاء بك ؟ قلت لأمى : يغفر الله لك . تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لى من ذلك شيئًا ؟ قالت : يا بنية ! هونى عليك . فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلاّ أكثرن عليها … فاستعبرت وبكيت ، فسمع أبو بكر صوتى فنزل فقال لأمى : ما شأنها ؟ فقالت : بلغها الذى ذكر من شأنها ففاضت عيناه . وبكيت تلك الليلة والليلة التى بعدها وأبواى عندى يظنان أن البكاء فالق كبدى .. فبينما نحن على ذلك ، دخل علينا رسول الله فسلم ثم جلس وتشهَّد وقال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغنى عنك كذا وكذا . فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تعالى تاب الله عليه … فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعى حتى ما أحس منه بقطرة ، وقلت لأبى : أجب رسول الله ! قال : والله لا أدرى ما أقول . فقلت لأمى : أجيبى ، فقالت كذلك والله ما أدرى .. ثم قلت : لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر فى نفوسكم ، فلئن قلت لكم إنى بريئة والله يعلم أنى بريئة لا تصدقونى . ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنى منه بريئة لتصدقنى . فوالله  لا أجد لى ولكم مثلاً إلاَّ قول أبى يوسف عليه السلام : فصبر جميل والله المستعان . ثم تحولت فاضطجعت على فراشى وما كنت أظن أن الله  ينزل فى شأنى وحيًا يتلى … وكنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فى النوم يبرئنى الله بها . وعند ذلك قال أبو بكر رضى الله عنه : ما أعلم أهل البيت من العرب دخل عليهم ما دخل علىّ . والله ما قيل لنا هذا فى الجاهلية حيث لا يعبد الله فيقال لنا فى الإسلام … فأخذ رسول الله ما كان يأخذه عند نزول الوحى ، فسجى ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه ، فلما سرى عنه إذا هو يضحك وإنه لينحدر منه العرق مثل الجمان ، فجعل يمسح العرق عن وجهه الكريم وكان أول كلمة تكلم بها : يا عائشة ؛ أما إن الله قد برّأك . فقالت أمى : قومى إليه . قلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله . وتناول رسول الله درعى فدفعت يده فأخذ أبو بكر النعل ليعلونى بها . فمنعه رسول الله  وهو يضحك ويقسم عليه ألاَّ يفعل … »

*       *       *

      قضى النبى عليه الصلاة والسلام فترة صعبة قبل أن ينزل الوحى ببراءة السيدة عائشة ، وفى قلقه الشديد وهمّه أن يتحدث الناس فى أهل بيته ، استشار الصحابة فقال له عمر بأسلوبه الحاسم : من زوجها لك يا رسول الله ؟ قال : الله تعالى ! : قال :« أفتظن أن الله دلس عليك فيها ؟ » سبحانك هذا بهتان عظيم ! ودعا عليًّا وأسامة بن زيد ليستأمرهما فى فراق أهله . فقال أسامة بن زيد : أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيرًا ، وقال علىّ : يا رسول الله لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير . وإن تسأل الجارية ـ يعنى بريرة ـ تصدقك . فدعا بها وسألها : أى بريرة ! هل رأيت من شىء يريبك ؟ قالت : والذى بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرًا أغمضه أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجينها فتأتى الداجن فتأكله . وسأل زينب بنت جحش وهى أحب نسائه إليه بعد عائشة فقالت : « أحمى سمعى وبصرى . ما علمت إلاّ خيرًا . وما كنت أقول إلاَّ الحق . »

      ومن تأذِّى النبى عليه الصلاة والسلام بحديث الإفك ، خطب المسلمين فى المسجد قائلا : أيها الناس ! ما بال رجال يؤذونى فى أهلى ويقولون عليهم غير الحق ؟ .. ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلاَّ خيرًا ولا يدخل بيتًا من بيوتى إلاًّ وأنا حاضر ولا غبت فى سفر إلاَّ غاب معى يقولون عليه غير الحق .. فقال أُسَيد بن حضير : « يا رسول . إن يكونوا من الأوس نكفيكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمُرنا أمرك » .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *