فى مدينة العـقاد ـــ الصديقة بنت الصديق (10)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

حـديث الإفـك

 

تلك هى القصة التى أشاعها المنافقون عن السيدة عائشة ـ رضى الله عنها ـ وعلى رأسهم عبد الله بن أبىّ بن سلول زعيم المدينة الموتور من الإسلام ورسوله اللذين حالا بالهجرة دون تتويجه ملكًا على يثرب .

نعرف أن الفضول أغرى ويغرى الناس بالخوض فى الأحاديث والشائعات ، ومِن دأب الناس من قديم أن يتطلعوا إلى الأسرار ، ويكثرون من القيل والقال والوشايات ولو كانت من نسج الخيال ، سيّما إذا تعلق الأمر بالعظماء من الرجال أو النساء ، ويبلغ هذا الكلف أقصى مداه إذا صاحبه الغرض فى الإساءة وترويج الإشاعة واللغط بها .

وقد كان لهذا اللغط غرض قوى لأكبر الخزرج فى زمانه ، وغرض قوى لكل من يبغى المساس بالنبى وبالإسلام كله .

كان ابن سلول يحمل ضغنًا كبيرًا ووترًا لا يهدأ ، وبغضًا للنبى تفلت أماراته رغم حرصه على إخفائه ، وأحب هذا الرجل أن يهدم دعوة الإسلام بالخوض فى المحصِنات بالباطل للمساس بالإسلام ورسوله .

ولم يكن لهذا الرجل من الأخلاق ما يعصمه من الكذب وارتكاب الدنية !

كان لهذه الفرية الباطلة مقدمات ، فقبل أيام قليلة تنازعت فئة من الأنصار مع فئة من المهاجرين حين تنازع رجلان منهما على مورد الماء فيما عُرف بغزوة بنى المصطلق أو المريسيع .

وقد سارع النبى عليه السلام يومها بفض ما شجر ، ورد الأمور إلى ما بين الأنصار والمهاجرين من محبة وإيثار ، إلاَّ أن ابن سلول أراد أن يشعلها نارًا لا تنطفئ ، فافتعل الثورة للمدينة ، واصطنع أن يقول مستهولاً أو قد فعلوها ؟! ما أرانا وجلابيب قريش هذه إلاَّ كما قيل : سّمن كلبك يأكلك ! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذل . وأقبل على الأنصار يحرضهم ويقول لهم : هذا ما فعلتم بأنفسكم .. أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم . وأما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير دياركم !

ونمى الحديث إلى النبى عليه السلام ، فأسرع إليه ابن سلول ينكر ويقسم ويبالغ فى القسم أنه ما نبس بحرف من ذلك .

هنالك تدخل أُسَيد بن حضير زعيم الأوس يطلب إلى النبى عليه السلام ألاَّ يدع المدينة لعبد الله بن أبِى بن سلول ، ويقول له : « والله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه . وإنه ليرى أنك استلبته مُلْكًا » .

فلا جرم إذن أن يكون هذا المنافق صاحب غرض يشفى به وتره ، وأفلتت منه نيته لإثارة الأقاويل كذبًا ، حينما مرت به السيدة عائشة على جمل يقوده صفوان بن المعطل ، وحكى عنه أنه سأل عمّن هى فأجيب بأنها عائشة امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها .

ويتفق غرض ابن سلول مع غرض كل منافق كذوب يتشبث بحديث الإفك إلى يومنا هذا سبيلاً إلى الطعن فى الرسول والإسلام ! وبخاصة بين المبشرين من المستشرقين .

ويذكر الأستاذ العقاد أن من هؤلاء من غلب عليه أدب التربية فاستبعد حديث الإفك كما فعل « موير Muir » حيث قال : « إن سيرة عائشة قبل الحديث وبعده لتوجب علينا أن نعتقد براءتها من التهمة » .

ومنهم ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ من نقل الحكاية وخلطها بالمعجزات التى لا يصدقها غير المسلم كما فعل « وشنطون ارفنج » فى سيرة النبى عليه السلام ، فلم يقطع بنفى صريح ، وترك الباب مفتوحًا للأقاويل .

ومنهم من جاوز الحقيقة فى وصف ما جاءت به الروايات ، فزعم أن السيدة عائشة ابتعدت عن النبى يومًا كاملاً قضته فى صحبة صفوان ، خلافًا لما جاء فى قصة نقلت عن حديث الإفك ، أبداها زوديل صاحب ترجمة القرآن حيث عرض لهذا الحديث فى حاشية من حواشيه على سورة النور .

وهؤلاء مع هذا هم أشد المستشرقين تقية وحذرًا فى تعرضهم لهذا الحديث .

لكن المبشرين المحترفين لم يتقوا هذه التقية ولم يحذروا هذا الحذر ، بل جزموا بصحة الحديث ، وقال بعضهم إن محمدًا استنزل الآيات فى سورة النور ليحمى سمعة زوجته ويدين الوشاة بالعقاب الذى ورد فى تلك السورة .

وقد أوقع هؤلاء فى هذه الفرية الوضيعة أن نصاب الشهادة فى الزنا أربعة شهود ـ وفاتهم أن هذا النصاب ورد قبل هذا الحدث بسورة النساء الأسبق نزولاً من سورة النور . يقول تعالى فى سورة النساء : « وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً » (النساء 15)

ولأن القصة أن السيدة عائشة كانت قد انفرط عقدها وهى تقضى حاجة لها فجعلت تبحث عنه وفاتها الركب العائد من المريسيع دون أن ينتبهوا ، فإن آخرين من أولئك المبشرين المحترفين رجعوا إلى تاريخ غزوة بنى المصطلق أو المريسيع ، ليقولوا إن ليلة العودة كانت غير قمراء ، ومن ثم فإن البحث عن العقد الضائع عسير .

وفعلوا ذلك دون أن يتفطنوا إلى أن تاريخ سنة الغزوة مختلف عليه بين السنة الرابعة للهجرة والسنة السادسة وما بعدها ، الأمر الذى يستحيل معه هذا التحديد الذى افتعلوه .

هذا إلى أن ابتداء المسير إلى الغزوة فى الثانى من شعبان ، ومسألة الطريق والأيام التى استغرقتها الغزوة وما جرى فيها ، لا يمنع أن تكون العودة فى ليلة قمراء . ثم إن هذا السبب مصطنع إن لم يكن يشهد بصحة القصة ، لأن البحث عن العقد المنفرط فى ليله غير قمراء يستلزم جهدًا أكبر ووقتًا أطول ، ولو كان هنالك أى محل للاعتراض وفق ذلك لما قصر فى استخدامه المنافقون الذين اصطنعوا هذه الفرية .

ومن الإسفاف ، فيما يرى الأستاذ العقاد ـ متابعة هذا اللغو أو متابعة الوشاة ، فلم يكن المقصد البحث عن دليل ، وإنما كان كذبًا مفتعلاً لا يليق بأى مؤرخ ولا بأى إنسان عاقل منصف أن يأخذ به .

ومن ثم فإن الحذر واجب هنا على قدر ضخامة الأغراض فى الكذب والافتعال !

على أن براءة السيدة عائشة من هذه المظنة أو الفرية ، لا يستند لمجرد تهافت أقاويل المنافقين ووضوح الأغراض ، وإنما تعتمد هذه التبرئة على الفهم الصحيح الذى يفهمه المسلم ويفهمه أيضًا من لا يدين بالإسلام .

ثم كفى دليلاً أنه لا يوجد على هذه الظنة المصطنعة أى دليل !

*         *         *

لقد افتعل حديث الإفك بعد عودة النبى من غزوة بنى المصطلق عند ماء المريسيع ، وكان مسير الجيش فى طريق العودة مضطربًا أشد الاضطراب ، لشيوع الفتنه التى أخذ يشعلها ابن سلول وأتباعة على ما تقدم ذكره .

بعد فض الفتنه على الماء التى سعى ابن سلول لإذكائها ، أذن النبى عليه السلام بالرحيل فى ساعة شديدة الحرارة يستحيل تحملها ، حتى سأله أُسَيد بن حضير زعيم الأوس : يا نبى الله ! لقد رحلت فى ساعة منكرة ما كانت تروح مثلها ؟ فقال له النبى : أما بلغك ما قال صاحبكم !

ثم سار الجيش العائد سيرًا حثيثًا ، وجعل النبى عليه السلام يستعجل ناقته ، وانقضى اليوم وليلته وصَدْر من اليوم التالى حتى آذنتهم الشمس ، ثم نزل الناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض حتى وقعوا نيامًا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *