فى مدينة العـقاد ـــ الصدّيقة بنت الصدّيق (9)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

      دامت الحياة الزوجية لعائشة زهاء تسع سنوات إلى أن لاقى النبى عليه السلام ـ الرفيق الأعلى .

     ومن الحق أن توصف هذه الحياة الزوجية بأنها سعيدة ، ففى طوال هذه السنين لم تمتزج هذه الحياة بكدر أو مساءة يحمل تبعتها أحد من الزوجين .

     وأخطر ما ألمّ بهذه الزيجة ـ حديث الإفك ، وسوف يُنَاقَش فى موضعٍ لاحق ، ولكن المهم هنا أنه لم تكن تبعته على أى من الزوجين  .

      وغير ذلك فقد غضب النبى عليه السلام من زوجاته جميعًا ـ لا من عائشة خاصة ـ لتنازعهن فى فترة من الزمن وإلحافهن فى طلب المزيد من النفقة .

     وكان هذا عارضًا مضى مرة ومضى أمثاله فى كل حياة زوجية ، ولكنه انتهى بدرس لأمهات المؤمنين بأنهن قدوة ، وأنه ينبغى لهن أن يضربن المثل بالقناعة وبالصبر على ضرورات العيش ، أو أن يُسَرحن بإحسان ، فاخترن الصبر على سنة الأنبياء وأمهات المؤمنين .

      ومما لا مراء فيه أن السيدة عائشة خامرها الأسى فى حياتها الزوجية لحرمانها من الذرية ، سيما وهى تلمس أن مما حفظه ـ عليه السلام ـ  للسيدة خديجة أنها كانت له أم البنين والبنات  .

    وغلبها حزنها يومًا وظهر ألمها حين قالت للنبى كسيفة : «كل صواحبى لهن كنى !» . قال : فاكتنى بأم عبد الله ، أى عبد الله بن الزبير بن العوام وابن أختها الكبرى أسماء ، فجعلت السيدة عائشة تكتنى به وتحبه ذلك الحب الأُمومى الذى يستمد قوته من الحنو والشوق والحرمان  .

     ثم راقها بعد ذلك أن تدعى أم المؤمنين ، وأن يناديها الناس : يا أُمه يا أُمه ! فكان هذا النداء تعزية عن فقدها للذرية ، كما كان فيه تشويق وتذكير .

*       *       *

     انصرف الأستاذ العقاد بما لديه من إصرار ودأب ـ للبحث عن أسباب أن جميع زوجات النبى عليه السلام بعد خديجة ـ وفيما عدا مارية التى مات طفلها رضيعًا ـ لم يرزقن منه بعقب . ونقل استكمالاً لفحصه ما كان قد أوراه فى هذا الباب فى عبقرية محمد ، ليضيف أن كتابة مؤلف عن السيدة عائشة يدعوه إلى استكمال السياق والتعليل ، ففعل ، وكبَّد نفسه رهقًا ، ولكنك قد تقرّه على حصاد اجتهاده وقد لا تقرّه ، وأنا شخصيًّا لا أقرّه ، مهما كان قد بذل من استقصاء ورجوع إلى أهل العلم من الأطباء ، وهو رجوع محل نظر من زاويتين : أن أحدًا من هؤلاء لم تعرض عليه السيدة عائشة ليقوم بفحصها ومحاولة تشخيص سبب عدم إنجابها بالوسائل العلمية والبراهين الموثوق بها ، والأمر الثانى أن هذه المحاولة مع احترامى لما بذله الأستاذ العقاد فيها ، تقطع الزمن لترجع أربعة عشر قرنا إلى الوراء ، وهو زمان طويل جد طويل ، لا يعترضه فقط ما يتعلق بالرأى العلمى الطبى ، بل ويتعلق كذلك بجلب المعلومات التى يعترض انسيابها عوائق كثيرة ، بحيث لا يمكن القطع بشىء كهذا ، فضلاً عن أن تبنى عليه آراء الأطباء الآن  .

       الذى لا مراء فيه أن السيدة عائشة لم تنجب ، كغيرها من أمهات المؤمنين بعد خديجة ، من النبى عليه الصلاة والسلام ، وأن ذلك كان سببًا لحزنها أكثر من غيرها ، لمكانتها وحظوتها من ناحية ، ولأنها كانت فى سن الشباب خلاف الأخريات اللائى بنى بهن النبى عليه السلام  .

*       *       *

     أما قرابة النبى ، فأعزها قدرًا عنده قرابة السيدة فاطمة وزوجها علىّ وبنيها منه ، وكانت الصلة بين السيدة عائشة وبينهن جميعًا على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية .

     فالسيدة فاطمة كانت أحب الناس إلى النبى عليه الصلاة والسلام كما هو العهد بأبوّته الشريفة التى تشمل الناس جميعًا بالحنان والمودة ، فضلاً عن بناته وذريتهن . وسئل النبى ـ كما روت عائشة مرة : من أحب الناس إليك ؟ فقال : فاطمة ! ثم سئل : ومِنَ الرجال ؟ قال زوجها .

       وفاطمة وعلىّ ـ أم وأب السبطين اللذين تعلق بهما فؤاد النبى عليه السلام ، فكان يلاعبهما ويلاطفهما ويوصى بهما ويسميهما ولديه ، فضلاً عن أن فاطمة أصغر بنات خديجة ، وأضعفهن بنيةً ، وفارقتها خديجة صغيرةً وهى توصى النبى عليه السلام بها ، على ما كان لخديجة من مكانة وطول وفاء النبى لذكراها .

      وربما خطر للسيدة عائشة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن عليًّا رضى الله عنه قد تأثر بالمنافسة الفطرية بين عائشة وفاطمة ، وما كانت تغمط عليه السيدة خديجة لقديم مكانتها ومحبة النبى الموصولة لها ـ فقال للنبى يوم سأله فى حديث الإفك : « … لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير » .

     ومن الصدق للتاريخ وللطبع الإنسانى ملاحظة هذه الأمور ، لأن الطبع الإنسانى كما يقول الأستاذ العقاد ـ لن يدع حقوقه على أبنائه ولن يكون الإنسان من لحم ودم ، إلاَّ إذا كان فيه للحم والدم نوازعهما التى لا فكاك منها ، وإنْ راضها أدب النبوة ونبل العشرة .

      ولعلنا نضيف إلى ما ذكره الأستاذ العقاد ، أن موقف الإمام علىّ من السيدة عائشة يوم الجمل ، كان آيةً على طهارة قلبه من أى تأثير ـ وعلى توقيره لعائشة ، الأمر الذى تجلَّى فى جميل رعايته لها وهى مقيمة بالعراق قبل أن تتهيأ الظروف لعودتها ، ثم وهو يودعها ويرسل معها من يحرسها ويحرسونها ويودعها وولديه لمسافة طويلة من الطريق ، على ما تقدم بيانه فى عبقرية الإمام .

      والذى لا ريب فيه أن هذه المعاملة لا بد وأن تكون قد استوقفت السيدة عائشة ، ولم يُنقل عنها أنها ذكرت الإمام أو فاطمة وولديها إلاَّ بكل خير وتقدير .

     فالصلة إذن بين عائشة وقرابة النبى ، كانت صلة الأدب والتجمل والمجاملة ، وإن كانت فى مجال لا يغيب فيه التنافس على العطف والإعزاز .

      وحاصل ذلك على الجملة أن حياة السيدة عائشة الزوجية ، كانت حياة سعيدة ، نزلت منها السيدة عائشة منزلة الزوجة الأثيرة طوال أيامها ، ثم منزلة الشريكة المعينة ، وبلغت من الثقة بها فى هذه المعونة قصارى ما تبلغه شريكة حياة ، فحفظت من تعليم النبى ما لم يحفظه أحد بقدر ما حفظته ، وحفظ النبى عندها أغلى الودائع من بعده .. صحف الكتاب وسنته المشروعة لتابعيه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *